صدمة واحدة واستجابات مختلفة... موازنات الحكومات في مأزق صعب
20/06/2026





سيرياستيبس 

كشف صندوق النقد الدولي عن تبني نحو 900 إجراء لدعم الطاقة في 170 دولة منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، محذراً من أخطار استمرار الدعم غير الموجه وارتفاع كلفته المالية، في وقت تتراجع فيه قدرة الحكومات على مواجهة صدمات اقتصادية مستقبلية.

كشف تقرير حديث أنه مع تسارع الحكومات على مستوى دول العالم لحماية الأفراد والشركات من صدمة الطاقة الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، تشير الدلائل الأولية إلى لجوء كثير من الدول إلى سياسات غير موجهة وربما مكلفة في ظل ضيق الموازنات.

وإذا ما أدت محادثات السلام الأخيرة إلى تطبيع سريع للتجارة وتدفقات النفط، وعودة الأسعار إلى مستوياتها التاريخية، فسيكون التحدي الأكبر أمام كثير من الحكومات هو كيفية إنهاء هذا الدعم.

وقد رصد مؤشر جديد لتتبع السياسات العالمية صادر عن صندوق النقد الدولي، ما يقارب 900 إجراء سياسي تم تطبيقها في حوالى 170 دولة منذ بداية الحرب، في كل من الاقتصادات المتقدمة والناشئة والنامية.

وتطغى التدابير المالية على الاستجابة، حيث تعمل الحكومات على تخفيف أثر ارتفاع أسعار الطاقة من خلال الحد من تأثيرها على المستهلكين والشركات.

ويوضح المؤشر نمطاً مهماً، إذ يتشابه تكوين السياسات الحالية وتسلسلها إلى حد كبير مع تلك التي تم تطبيقها خلال صدمة الطاقة عام 2022. إلا أن الظروف تختلف بالنسبة إلى كثير من الدول، إذ تتزايد أعباء خدمة الدين، بينما يبقى الحيز المالي محدوداً، في ظل بيئة تتسم بتزايد حالة عدم اليقين والصدمات المتكررة. والأخطار والاضطرابات الناجمة عن صدمة الطاقة الحالية تختلف عن الصدمات السابقة. وكلا الأمرين يجعل تصميم السياسات أكثر أهمية.

تدابير مالية في أوروبا لتخفيف الأعباء عن الأسر
يُظهر المؤشر الجديد لصندوق النقد الدولي، أن ما يقارب نصف التدابير في الاقتصادات المتقدمة عبارة عن دعم لمنتجي وموزعي الطاقة، أما الثُلث الآخر فهو عبارة عن خفضات في الضرائب غير المباشرة على الوقود بهدف كبح جماح ارتفاع أسعار التجزئة. فعلى سبيل المثال، اعتمدت الدول الأوروبية بصورة كبيرة على التدابير المالية وتدابير التسعير لتخفيف الأعباء عن الأسر.

في المقابل، لجأت الاقتصادات الناشئة إلى مزيج سياسات أكثر تنوعاً. فإضافة إلى التدابير المالية، التي تُمثل نحو نصف السياسات المُسجلة، استخدم كثير منها ضوابط الأسعار (مثل تحديد سقف لأسعار الوقود أو تعديل معادلات التسعير) وغيرها من التدخلات الإدارية.

وفي منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، تلعب الأدوات النقدية والمالية دوراً أكبر، إلى جانب التوسع المالي في الاقتصادات المُصدّرة للنفط. وتعتمد الدول الأفريقية بصورة أكبر على تدابير التسعير وتدابير جانب العرض، بينما اتجهت أجزاء من آسيا إلى إدارة الطلب، بما في ذلك ترشيد الاستهلاك والتقنين، أما منطقة نصف الكرة الغربي فتُظهر نهجاً أكثر تنوعاً.

وقال صندوق النقد الدولي، إن حيز السياسات يعد عاملاً مهماً أيضاً، فقد اعتمدت الدول ذات مستويات الدين المرتفعة والأخطار المالية المتزايدة، بما فيها اقتصادات الأسواق الناشئة، بصورة أكبر على تدابير التسعير وكبح الطلب، بما في ذلك تقنين الوقود، وفرض العمل عن بُعد، وتقييد السفر.

بينما اتخذت مجموعة من الدول مساراً أكثر استدامةً من الناحية المالية، وإن كان صعباً من الناحية السياسية: وهو السماح بارتفاع الأسعار المُدارة، أو تقليص الدعم، أو تعليق آليات استقرار الأسعار.

تحافظ هذه الخيارات على مؤشرات الأسعار وتُقلّل الكلفة المالية، لكنها تتطلب أيضاً شبكات أمان قوية (أو تدخلات جديدة، مثل كبح تعريفات النقل العام) لحماية الأسر الأكثر عرضةً للخطر.

نوايا نبيلة قد تكون مكلفة ومحفوفة بالأخطار
تعكس هيمنة سياسات كبح الأسعار هدفاً مشتركاً: حماية الأسر والشركات من الارتفاع الحاد في كلفة الطاقة، ومع ذلك، يفتقر جزء كبير من التدابير التي تُوصف بأنها موقتة إلى تواريخ انتهاء واضحة أو تقديرات للكلف المالية.

هكذا يُمكن أن يتحول الدعم الموقت إلى دعم دائم: يُمدد تدرجاً، ويصعب إلغاؤه، وتزداد تكلفته بصورة متزايد إذا بقيت الأسعار مرتفعة. وهذا واحد فقط من أخطار عدة.

وقد تتصاعد الكلفة المالية بسرعة، فالدعم الحكومي الشامل والخفضات الضريبية مكلفة، لا سيما عند تمديدها لما بعد المرحلة الأولية للصدمة.

وقد يصبح تمويل تحديد أسعار النفط من قبل الدول المستوردة مستحيلاً إذا ارتفعت أسعار الوقود العالمية أكثر.

ولا تختفي الكلفة عندما لا تظهر في الحسابات المالية الحكومية المعتادة، فإجراءات التسعير التي تُقلّص هوامش الربح، لا سيما في شركات الطاقة المملوكة للدولة، قد تُولّد خسائر تظهر لاحقاً كالتزامات طارئة في الموازنة العامة.

وبصورة أدق، يُمكن أن يُضعف كبح تمرير الأسعار على نطاق واسع قدرة الدول على التكيف على المستوى العالمي.

فعندما تُوفّر كثير من الدول الحماية للمستهلكين في آنٍ واحد، تقلّ استجابة الطلب، مما يُسهم في زيادة شحّ الأسواق وارتفاع الأسعار العالمية، وقد تُضخّم السياسات الرشيدة، حتى وإن كانت فردية، الصدمة بصورة جماعية.

وأخيراً، من خلال الإنفاق بحرية أكبر الآن، ستُقلّل الحكومات من قدرتها على اتخاذ مزيد من الإجراءات في حال، على سبيل المثال، تصاعد النزاع، أو ازدياد اضطرابات الطاقة، أو غيرها من الصدمات، فكلما زاد استخدام الحيز المالي اليوم لدعم الأسعار على نطاق واسع، قلّ ما يتبقى غداً لمواجهة التحديات الجديدة.

أخطار ارتفاع الكلفة المالية وتشويه الحوافز
وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن صدمات الطاقة تجبر صانعي السياسات على الاختيار بين التكيف عبر الأسعار أو استيعابه من خلال الموازنات. وتُظهر الاستجابات الأولية حتى الآن تفضيلاً واضحاً لكبح الأسعار، وهذا أمرٌ مفهوم. لكن إذا استمر هذا الوضع، فإنه ينطوي على أخطار ارتفاع الكلفة المالية وتشويه الحوافز، خصوصاً إذا عادت أسعار الطاقة إلى وضعها الطبيعي في نهاية المطاف.

وأوضح أن البديل أقل قبولاً سياسياً، ولكنه أكثر مسؤولية واستدامة من الناحية المالية: السماح للأسعار بالتكيف، وضمان أن تكون التدخلات المالية موقتة وموجهة، فبعض الدول تتجه بالفعل نحو هذا المسار، ومن الحكمة أن تحذو دول أخرى حذوها.

وفي عالم مضطرب وعرضة للصدمات، يُعدّ الحفاظ على السيولة النقدية أمراً بالغ الأهمية، تماماً كسرعة الاستجابة، ويبقى المبدأ بسيطاً وهو ضرورة حماية الناس من الأسعار المرتفعة.

اندبندنت عربية 



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=126&id=206117

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc