
سيرياستيبس :
تتحمل نساء كثيرات الجزء الأكبر من مسؤوليات تشغيل المنزل ورعاية الأسرة في عمل يومي يمتد من التنظيف والطهي والغسيل إلى تجهيز الأطفال للمدرسة ومتابعة واجباتهم الدراسية وإدارة المشتريات ومواعيد الأطباء وترتيب شؤون الأقارب. وهي مهام لا تنجز مرة واحدة بل تتكرر بشكل يومي وتتطلب وقتاً وجهداً وتركيزاً وتخطيطاً مستمراً. ورغم أهميتها في استقرار الأسرة فإنها غالباً لا تُعامل بوصفها عملاً له قيمة واضحة أو معترف بها.
تقول سارة العنيد وهي أم لطفلين إنها لم تدرك حجم العبء المنزلي بشكل كامل إلا بعد التحاقها بالعمل خارج المنزل وتوضح أن يومها أصبح ينقسم بين دوام وظيفي ودوام آخر داخل البيت مضيفة: عندما أتأخر في إنجاز مهمة منزلية أسمع السؤال المعتاد: لماذا لم تنجزي؟ بينما لا يسأل أحد كم ساعة قضيتها في العمل أو في الطريق أو مع الأطفال. وترى أن المشكلة لا تكمن في تقديم المساعدة أحياناً بل في بقاء المسؤولية الأساسية على عاتقها مهما تغيرت ظروفها.
وتوضح الاختصاصية الاجتماعية هناء الخطيب أن توزيع الأدوار داخل كثير من الأسر ما يزال قائماً على افتراض تقليدي يعتبر المرأة مسؤولة عن شؤون المنزل بحكم العادة حتى عندما تكون موظفة أو المعيل الأساسي للأسرة وتشير إلى أن هذا التصور يجعل العمل المنزلي غير قابل للنقاش أو إعادة التوزيع إذ تُطالب المرأة دائماً بضمان استمرار تشغيل المنزل بينما تتحول مساهمة الرجل إلى خيار أو استجابة عند الطلب. وتؤكد أن تغيير هذا الواقع يتطلب حواراً واضحاً داخل الأسرة حول المهام المطلوبة وآلية توزيعها بين أفرادها.
من جانب آخر تلفت المعالجة النفسية رانيا مراد إلى ما يعرف بمفهوم الحمل الذهني، وهو الجهد المرتبط بإدارة شؤون المنزل والتفكير المستمر في تفاصيله وليس فقط تنفيذ المهام اليومية ويشمل ذلك تذكر احتياجات الأطفال ومتابعة المستلزمات والتخطيط للوجبات ومعرفة مواعيد المدرسة والأنشطة ومراقبة المصروف وترتيب الأولويات.
وتوضح أن هذا النوع من الجهد يؤدي إلى إرهاق متواصل لأن التفكير لا يتوقف حتى خلال أوقات الراحة كما يرتبط بمشاعر التوتر والقلق والاحتقان خصوصاً عندما لا يحظى بالاعتراف أو التقدير داخل الأسرة.
وتضيف مراد أن كثيراً من النساء لا يطلبن المساعدة بشكل مباشر لأسباب متعددة منها الخوف من الخلافات الأسرية أو الاعتقاد بأن طلب المشاركة سيقابل بالرفض أو السخرية، أو ببساطة لأنهن اعتدن القيام بكل شيء بمفردهن منذ سنوات. وفي المقابل يتعامل بعض أفراد الأسرة مع الأعمال المنزلية على أنها أمور تتم تلقائياً ما يعزز فكرة أن هذا الجهد لا يستحق النقاش أو التقدير.
وتعكس اللغة اليومية هذا الخلل أيضاً. ففي كثير من البيوت يقال إن الرجل يساعد زوجته في حين أن مفهوم المشاركة يفترض أن المنزل مسؤولية مشتركة وتوضح الخطيب أن استخدام كلمة “يساعد” يوحي بأن العمل المنزلي يخص المرأة وحدها وأن الرجل يؤدي دوراً إضافياً أو استثنائياً. وترى أن تغيير المفردات ليس أمراً شكلياً لأن اللغة تساهم في تشكيل التوقعات الاجتماعية، وعندما تصبح “المشاركة” هي المصطلح السائد يصبح تطبيقها عملياً أكثر سهولة.
وترى الباحثة في قضايا الأسرة نادين شاهين أن المجتمع غالباً ما يمتدح نموذج المرأة القادرة على تحمل كل الأعباء إلا أن هذا المديح قد يؤدي إلى نتائج عكسية لأنه يرفع سقف التوقعات منها ويجعل التعب مؤشراً على التقصير بدلاً من اعتباره نتيجة طبيعية للضغط المتراكم. وتضيف أن وصف المرأة بأنها “عمود البيت” قد يخفي حقيقة غياب أدوار واضحة لبقية أفراد الأسرة أو عدم التزامهم بها مؤكدة أن الأسرة الأكثر استقراراً هي تلك التي تقوم على توزيع المسؤوليات لا على اعتمادها على شخص واحد.
وتلعب التنشئة المنزلية دوراً أساسياً في استمرار هذه الفجوة بحسب المرشدة التربوية ليلى عباس التي تشير إلى أن الفتيات غالباً ما يتعلمن الأعمال المنزلية منذ سن مبكرة بينما يحظى الأولاد بهامش أكبر من الإعفاء منها ومع مرور الوقت تصبح هذه المهارات مرتبطة بالجنس أكثر من ارتباطها بالتعلم أو المسؤولية وتؤكد أن إشراك جميع الأطفال في مهام تتناسب مع أعمارهم يعزز اعتمادهم على أنفسهم ويخفف العبء عن الأم مضيفة أن الطفل الذي يتعلم ترتيب غرفته وغسل فنجانه وتنظيم أغراضه سيكون أكثر قدرة مستقبلاً على احترام مفهوم الشراكة داخل الأسرة.
وتشير الخطيب إلى أن العمل المنزلي غير المدفوع يمثل قيمة اقتصادية كبيرة لو جرى احتسابه وفق ساعات العمل وأجور السوق إذ يشمل رعاية الأطفال وكبار السن وتنظيم الغذاء والحفاظ على النظافة، وإدارة ميزانية المنزل وتوضح أن تجاهل هذه القيمة ينعكس على أوضاع النساء خاصة اللواتي يتركن وظائفهن أو يؤجلن مسارهن المهني بسبب مسؤوليات الأسرة.
وفي كثير من الحالات تصبح المرأة أقل استقلالاً من الناحية المالية رغم أنها تؤدي عملاً يومياً شاقاً مؤكدة أن النقاش حول العمل المنزلي لا يقتصر على البعد الاجتماعي بل يمتد إلى أبعاد اقتصادية مرتبطة بالأمان المالي والقدرة على اتخاذ القرار.
وتظهر المشكلة أيضاً في غياب القواعد العملية الواضحة داخل كثير من الأسر حيث يفترض تلقائياً أن تتدخل الأم عند حدوث أي فوضى أو نقص ما يؤدي إلى تراكم المسؤوليات عليها. بينما يحتاج توزيع المهام إلى اتفاقات واضحة تحدد مسؤوليات كل فرد مثل التسوق وتجهيز الأطفال وغسل الصحون والتنظيف الدوري وآلية التعامل مع فترات المرض أو ضغط العمل.
وترى الخطيب أن وضع هذه التفاصيل ضمن خطة بسيطة وواضحة يساعد في نقل المسؤوليات من دائرة التوقعات الضمنية إلى دائرة الالتزام.
وتؤكد مراد أن العدالة داخل الأسرة لا تعني بالضرورة المساواة الحسابية في كل مهمة وإنما تحقيق التوازن بما يتناسب مع ظروف كل منزل فقد يعمل أحد الطرفين لساعات أطول أو يتحمل مسؤوليات إضافية لكن المهم أن يكون هناك اتفاق واضح يمنع تحول إدارة المنزل إلى واجب ثابت لطرف واحد. كما تشير إلى أن التقدير العملي أكثر أهمية من التقدير اللفظي لأن كلمات الشكر وحدها لا تخفف الضغط إذا بقي توزيع المهام على حاله.
وفي السنوات الأخيرة بدأت بعض الأسر تتجه إلى حلول أكثر تنظيماً مثل تقسيم الأعمال المنزلية على أيام الأسبوع أو تخصيص مهام ثابتة لكل فرد أو الاستعانة بمساعدة منزلية عند الإمكان أو التخلي عن بعض المعايير المثالية التي تستهلك الوقت والجهد دون ضرورة إلا أن هذه الحلول بحسب المختصين لا تحقق نتائج حقيقية ما دامت فكرة أن المرأة مسؤولة عن كل شيء ما تزال هي القاعدة الأساسية. فإدارة المنزل يجب أن تكون ملفاً مشتركاً يناقَش كما تناقَش ميزانية الأسرة أو قضايا تعليم الأبناء.
ويجمع المختصون على أن استقرار الأسرة لا يعتمد فقط على مستوى الدخل أو حجم المنزل بل على طريقة توزيع العمل داخله. فعندما تتحمل امرأة واحدة معظم المسؤوليات تزداد احتمالات الإرهاق والتوتر والخلافات بينما يسهم وضوح الأدوار وتقاسم المهام في تعزيز الشعور بالمسؤولية المشتركة والانتماء لدى جميع أفراد الأسرة.
وفي النهاية يبقى العمل المنزلي ورعاية الأسرة نشاطاً أساسياً لا تستقيم الحياة اليومية من دونه وهو عمل يحتاج إلى وقت وتنظيم وتقاسم عادل للمسؤوليات. ويبدأ الاعتراف بقيمته من اعتباره عملاً حقيقياً يستحق التقدير ومن مناقشة كيفية توزيعه وتحويل المشاركة إلى ممارسة ثابتة داخل الأسرة. فالبيوت التي تعتمد على شخص واحد تصبح أكثر هشاشة بينما تكون البيوت التي تتقاسم أعباءها أكثر قدرة على الاستمرار.
الثورة
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=127&id=206170