ماكرون في دمشق... هل حان وقت الاستثمار الفرنسي في سوريا؟
07/07/2026






اقتصاديون: الزيارة تحمل طابعاً سياسياً ببعد استثماري وتوقعات بعودة "توتال" بعد انقطاع استمر منذ عام 2011

ملخص

باريس لديها مصلحة في دعم مشاريع البنى التحتية في سوريا كسبيل لعودة اللاجئين بصورة طوعية، بجانب زيادة أهمية سوريا لباريس والغرب كأحد البدائل المطروحة لنقل الطاقة عبر أراضيها إلى أوروبا. 

تأتي زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق في وقت تسعى فيه سوريا إلى تعزيز انفتاحها على العالم، واستقطاب الاستثمارات ورؤوس الأموال، لتحقيق التعافي الاقتصادي وإطلاق عملية إعادة الإعمار. 

وتظهر تركيبة الوفد المرافق لماكرون، الذي يضم مستثمرين وممثلين عن شركات فرنسية مهمة، أبعاداً مهمة تتجاوز البعد السياسي إلى مرحلة استكشاف فرص الاستثمارية، وبناء علاقات اقتصادية قوية في بداية عهد جديد تنشده سوريا

عهد تبدو فيه فرنسا لاعباً مهماً سواء في الاستثمار أم في عملية إعادة الإعمار والبناء التي تقدر كلفتها بأكثر من 260 مليار دولار، في حين تحتاج سوريا إلى استقطاب استثمارات بعشرات المليارات من الدولارات لتوجيهها نحو قطاعات استراتيجية وحيوية. 

اقتصاديون أكدوا أن هذه الزيارة ستفتح الباب أمام استثمارات فرنسية جديدة وشراكة اقتصادية أوسع بين دمشق وباريس، فوجود وفد اقتصادي فرنسي مع الرئيس ماكرون يوحي بأن باريس تريد أن تكون من أوائل الدول الأوروبية المشاركة في الاستثمار ومرحلة إعادة الإعمار. 

الشركات الفرنسية لديها دعم حكومي 

أعاد الاقتصادي السوري علي محمد، في حديث مع "اندبندنت عربية"، التذكير بأن باريس كانت أول عاصمة أوروبية يزورها الرئيس السوري أحمد الشرع، واليوم الرئيس ماكرون هو أول رئيس أوروبي يأتي إلى سوريا، وهذه مقاربة يعتقد أنها يجب أن تؤخذ بالحسبان. 

وأضاف "الزيارة وإن كانت تحمل طابع سياسي بصورة كبيرة يضيف إلى ما كان عليه الموقف سابقاً من دعم سياسي للإدارة السورية أو للقيادة السورية الجديدة، لكن البعد الاقتصادي واضح بوجود وفد اقتصادي واستثماري كبير ومهم مرافق للرئيس الفرنسي، فبعض الشركات تعمل في الفنادق، وبعضها في النفط، وأخرى في إدارة المرافئ، بالتالي فإن هذه الزيارة تحمل طابعاً سياسياً ببعد اقتصادي واستثماري". 

المتخصص السوري بين أنه إذا ما أردنا ان نوصف الوضع، فالاهتمام الفرنسي بسوريا ليس بجديد، وسوريا كانت دائماً محط أنظار الفرنسي منذ القدم. 

ولفت إلى أن الدعم السياسي الفرنسي في عام 2025 أو ما بعد التحرير يظهر اليوم ببعده الاقتصادي بصورة أوضح مما سبق، ويستكمل ما جرى توقيعه عام 2025، لا سيما عقد "سي جي أم سي أم آي"، وهو من أوائل العقود الاستراتيجية لاستثمار مجموعة السفن والخدمات اللوجستية لتطوير وتشغيل ميناء اللاذقية، وعملياً هو عقد شراكة سوري - فرنسي مدته 30 عاماً. 

وأشار إلى أن الاستثمار في إدارة المرافئ، يمكن أن يمتد لتقديم الخبرة والمساعدة في إدارة موانئ طرطوس واللاذقية، على رغم أن إدارة مرافئ دبي وأبو ظبي تستثمران في هذين المرفأين. 

الاقتصادي السوري أشار في حديثه إلى محطة مهمة في مسار التقارب بين البلدين، وتحديداً ما حدث نهاية مارس (آذار) الماضي عندما أعلن القائم بأعمال السفارة الفرنسية مجموعة من الخطوات لدعم إعادة إعمار سوريا، وتسهيلات للشركات التي تود الاستثمار في البلاد، وهذا يعني إلغاء الحظر على عمل الشركات الفرنسية. 

هاتين الخطوتين برأي محمد، لا بد من أخذهما في الاعتبار قبل مناقشة زيارة ماكرون، وأردف قائلاً "علينا ألا ننسى أن العام الماضي شهد إقامة منتدى سوري - فرنسي، ضم مجموعة من الشركات، لاستكشاف واقع الاستثمار في سوريا وما هي المجالات التي يمكن أن تستثمر بها الشركات الفرنسية". 

 مثلث فرنسي - سعودي - سوري 

تشير البيانات إلى أن حجم الاستثمارات الفرنسية في سوريا قفزت بين عامي 2007 و2009 من 10 ملايين يورو إلى 800 مليون يورو (914 مليون دولار)، إذ يمكن الحديث عن "توتال" و"موريل" و"بروم" و"بتروكوبست" بقطاع الصناعات النفطية، و"بيل" في صناعة الأجبان، و"لافارج" في صناعة الأسمنت. 

عضو مجلس الأعمال السوري - الفرنسي ورئيس حلقة رجال الأعمال السعوديين الفرنسيين في مدينة جدة مازن حقي أكد في حديث مع "اندبندنت عربية" أن فرنسا بلد مهم جداً لسوريا، وأن العلاقات الاستراتيجية تمتد منذ عام 1920، وتركت أثراً ثقافياً واقتصادياً وتجارياً عميقاً. 

أشار إلى أن فرنسا حاولت عام 2000 القيام بخطوة اتجاه سوريا، وفعلاً بين عامي 2000 و2003 أقامت عدداً من الاستثمارات وأنشأت معهداً عالياً للإدارة في دمشق، لكنها صدمت بممارسات النظام السابق، وفي عام 2008 حاول الرئيس ساركوزي مرة أخرى توسيع التعاون مع سوريا، لكنه أيضاً لم ينجح، وأصيب بصدمة كبيرة. 

وأضاف "أعتقد أن فرنسا اليوم مؤهلة تماماً لتلعب دوراً مهما في سوريا على أكثر من صعيد، هي من الدول الغربية التي يمكن أن تساعد سوريا في مجالات كثيرة". 

رجل الأعمال السوري توقع أن يكون هناك اهتمام كبير من الشركات الفرنسية للاستثمار في سوريا، ورأى أن قطاع النفط مرشح بقوة لدخول الشركات الفرنسية إليه مثل "توتال إنيرجي"، بجانب اهتمام فرنسي بقطاع السياحة وبناء الفنادق. 

أشار في هذا السياق إلى اهتمام مجموعة "أكور" الفرنسية التي لديها 7 آلاف فندق حول العالم بالسوق السورية، وهي تبحث حالياً عن فرص فيها، كما يمكن أن يتوجه الاهتمام الفرنسي أيضاً نحو التعاون في مجال الطيران، من خلال بيع طائرات لسوريا من شركة "إيرباص". 

ويمكن أن يمتد التعاون إلى مجال الدفاع، وهذه كلها مجالات تعاون قبل مرحلة الإعمار، بمعنى أن فرنسا سيكون لها دور كبير في هذه المجالات، ربما أكثر من مشاركتها في عملية إعادة الإعمار نفسها التي يمكن أن تكون من شركات محلية أو خليجية، أو يمكن أن يكون هناك تعاون سوري - فرنسي - سعودي، وفق قوله. 

وكشف في هذا السياق عن وجود توجه ضمن مجلس الأعمال السوري - الفرنسي، وبالتعاون مع مجلس الأعمال السوري - السعودي ليكون هناك مثلث تعاون بين الدول الثلاث "سوريا وفرنسا والسعودية" لضخ استثمارات مشتركة في البلاد. 

سوريا أحد البدائل المطروحة لنقل الطاقة 

توقفت الاستثمارات والعلاقات التجارية السورية الفرنسية منذ عام 2011، بيد أن الانطلاقة الحالية للعلاقات بين البلدين من شأنها أن تساعد في نهضة العلاقات من جديد وتوسعها بصورة تفوق ما كانت عليه قبل عام 2011. 

في قراءته لزيارة الرئيس الفرنسي ماكرون إلى دمشق، يرى الأكاديمي والمتخصص في السياسات الاقتصادية إبراهيم محمد أن قدوم الرئيس الفرنسي بصحبة وفد كبير، يضم مستثمرين وممثلين عن شركات فرنسية كبيرة يأتي لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا وفرنسا باعتبارها من أولويات باريس. 

وأكد أن هناك حديث أخيراً عن إزالة عقبات قانونية ومالية إضافية كانت تقيد نشاط الشركات الأوروبية في السوق السورية، وأن فرنسا من الدول السباقة التي دعت إلى إزالتها وتسريع ربط البلاد بالنظام المالي العالمي الغربي (سويفت). 

وأوضح أن لباريس مصلحة كبيرة أيضاً في دعم مشاريع تحسين البنى التحتية في سوريا، كسبيل لعودة اللاجئين السوريين لوطنهم بصورة طوعية. 

وأكد أن تحرك باريس باتجاه سوريا من خلال هذه الزيارة بناء على سعيها المتزايد إلى تعزيز نفوذها في منطقة شرق المتوسط، بخاصة في سوريا ولبنان، بحكم الارتباط التاريخي معهما منذ الاستعمار الفرنسي. 

ويكتسب هذا السعي دفعة جديدة ليس فقط على ضوء طموح الشركات الفرنسية في الإسهام بإعادة إعمار سوريا من خلال المشاركة في تحديث قطاع الطاقة والطيران المدني والنقل البحري، بل أيضاً في ضوء ازدياد أهمية سوريا بالنسبة إلى الغرب كأحد البدائل المطروحة لنقل مصادر الطاقة عبر أراضيها إلى أوروبا، بدلاً من الاعتماد على مضيق هرمز. 

وأشار إلى أن فرنسا تسعى إلى الحصول على حصة في "كعكة الاستثمار" بالقطاعات الحيوية كالنفط والغاز والمرافئ وغيرها، وهنا لا بد من القول إن فرنسا ومعها الدول الأوروبية الأخرى تأخرت في اللحاق بركب الحصول على قسم مهم من "كعكة الاستثمار"، مقارنة بالشركات الأميركية والخليجية. 

غير أن فرصها للحصول على مشاريع مهمة ما تزال كبيرة، إذا أخذنا في الاعتبار أن كلفة إعادة إعمار ما دمرته الحرب من بنى تحتية وسكنية وصناعية في سوريا ضخم جداً وتزيد كلفته على 260 مليار دولار، وفق المتحدث، وبالمقابل فإن المشاريع التي جرى الحديث عنها حتى الآن ولا تشكل في أحسن الأحوال أكثر من 15 في المئة من رؤوس الأموال المطلوبة. 

أسباب محفزة لعودة "توتال" لسوريا 

 المتخصص في العلاقات الدولية بسام صباغ أكد أن الأولويات الفرنسية في سوريا ستتجه نحو قطاع الطاقة والنفط والغاز، سواء في إعادة تأهيل الحقول أم تطوير مشاريع الغاز وقطاع الكهرباء والمياه والبنية التحتية من خلال المشاركة في إعادة بناء الشبكات ومحطات التوليد ومعالجة المياه، كما سيكون هناك حضور فرنسي في قطاع النقل والمرافئ والسكك الحديدية، بخاصة أن باريس تمتلك شركات عالمية متخصصة في هذا المجال. 

وتابع "إلى جانب الانخراط في قطاعات الاتصالات والتحول الرقمي والقطاع الصحي والدوائي والنقل الحضري والبيئة وإدارة النفايات، وهي قطاعات تتميز بها الشركات الفرنسية ويمكن الحديث أيضاً عن اهتمام بالقطاع الصحي والدوائي والنقل الحضري والبيئة وإدارة النفايات، وهي قطاعات تتميز بها تلك الشركات". 

المتخصص لم يستبعد في حديثه إلينا، عودة شركة "توتال" للعمل في سوريا مدعومة بمجموعة من الأسباب، أهمها أنها كانت من أكبر المستثمرين في قطاع النفط السوري قبل عام 2011، ولديها خبرة سابقة في السوق السورية، إلى جانب أن رفع جزء كبير من العقوبات الأوروبية والأميركية جعل العودة القانونية أكثر قابلية للتنفيذ، وإن بقيت بعض الاعتبارات التنظيمية والسياسية. 

لكن في المقابل، يتابع صباغ حديثه "ستنتظر شركة توتال وغيرها من الشركات الفرنسية، توافر شروط عدة قبل ضخ استثمارات كبيرة منها استقرار أمني مستدام ووضوح الإطار القانوني للاستثمار، وتأمين ضمانات لحماية الاستثمارات ووضوح آليات التمويل والتحويلات المصرفية الدولية". 

العلاقات الاقتصادية والتجارية 

 بدأت العلاقات الاقتصادية تشهد نمواً تدريجاً، إذ أعلنت السلطات الفرنسية تصنيف سوريا ضمن فئة الدول "المفتوحة بشروط". 

وتهدف هذه الخطوة إلى تمكين الشركات الفرنسية من الاستفادة من أدوات وزارة الاقتصاد والمالية الفرنسية، لدعم مشاريع إعادة الإعمار والاستقرار. 

ويبلغ حجم التبادل التجاري بين سوريا وفرنسا حالياً عشرات الملايين من الدولارات، إذ سجلت الصادرات الفرنسية إلى سوريا نحو 13.2 مليون دولار، في حين كانت من مرتبة مليار يورو (1.143 مليار دولار) قبل عام 2011، وكانت فرنسا من بين أول خمس دول في حجم التجارة مع سوريا. 

وتشير التوقعات إلى أن التبادل التجاري والاستثمارات في انتظار نهضة مهمة خلال الأعوام القليلة المقبلة، لتعود فرنسا واحدة من أهم الشركاء التجاريين والاستثماريين لسوريا.

اندبندنت عربية



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=131&id=206385

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc