هرمز يخنق سواحل إيران
15/07/2026

سيرياستيبس
انقطعت سبل الرزق، ولم يعد لتقلبات أسعار النفط صعوداً وهبوطاً أي أثر في تحسين الأوضاع المعيشية الآخذة في الانهيار، فالجميع يحدقون في البحر مترقبين نهاية وضع يزداد خنقاً عليهم يوماً بعد آخر.
وبإغلاق النظام الإيراني مضيق هرمز وفرضه واقعاً حربياً فيه، يسعى إلى احتجاز الاقتصاد العالمي رهينة، لكن ما يغفل عمداً وسط ضجيج التصعيد العسكري هو مصير مئات الآلاف من أبناء المنطقة.
وبالنسبة إلى السكان المحليين، من بندر عباس وجزيرة كيش إلى تشابهار وكنارك، ممن لا يملكون أي مصدر دخل سوى البحر، فإن أول ما يتوقف في هذا الممر المائي قبل السفن التجارية وناقلات النفط العملاقة، هو حركة مراكب الصيد والقوارب التي ترتبط بها أرزاقهم، فقد كانت الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالبحر في جنوب إيران تعاني، حتى قبل اندلاع الحرب، ضغوطاً متزايدة بفعل ارتفاع أسعار الوقود، وقيود الصيد، وتهالك الأسطول البحري، واتساع نطاق الصيد الصناعي، وتقلب اللوائح المنظمة لحمولة المراكب التجارية الصغيرة، فضلاً عن غياب التغطية التأمينية، واليوم تضاعفت هذه الضغوط وبات السكان يدفعون أيضاً ثمن سياسة يصفها النظام بأنها "أداة للردع".
وتظهر المعاينات الميدانية أن حياة آلاف الصيادين وعمال الموانئ وباعة الأسماك وأصحاب القوارب وفنيي صيانة المراكب والحمالين، وصغار التجار على الشريط الساحلي في جنوب إيران، باتت خلال الأشهر القليلة الماضية مهددة بصورة جدية، ولم يعد أمامهم اليوم سوى الاختيار بين مواصلة العمل، على رغم الأخطار التي تفرضها الأوضاع الحربية في البحر المضطرب، أو البقاء على الشاطئ ومواجهة الجوع.
مهن مرتبطة بالبحر جنوب إيران
لا يقتصر الاقتصاد البحري في جنوب إيران على الصيادين الذين يغامرون بالإبحار على متن القوارب والمراكب الصغيرة، فقد حُرم جنوب إيران، شأنه شأن شرق البلاد وغربها وسائر المناطق الحدودية، طوال العقود التي أعقبت الثورة، التنمية المستدامة وتوفير فرص العمل والاستثمار والدعم الحكومي الفعال، مما جعل البحر مصدر الدخل الوحيد لآلاف الأسر، وبعبارة أخرى فإن معظم السكان المحليين في المنطقة يعملون ضمن حلقات متصلة من المهن المرتبطة بالبحر، وتعتمد سبل عيشهم جميعاً على ازدهار هذا الممر المائي، بدءاً من الربابنة والبحارة وأفراد طواقم المراكب، مروراً بعمال التفريغ والتحميل وبائعي الثلج وأصحاب مخازن التبريد وباعة الأسماك وصانعي شباك الصيد، والميكانيكيين وبائعي قطع غيار محركات القوارب، وأصحاب قوارب السياحة ونقل الركاب بين الجزر، والعاملين في تجارة حمولة المراكب الصغيرة، وباعة الأسواق الساحلية، وصولاً إلى سائقي مركبات نقل الأسماك والبضائع إلى المدن الأخرى، وكذلك تعتاش نساء كثيرات من تنظيف الأسماك والروبيان وتجفيفهما وبيعهما، ولهذا فإن انعدام الأمن في مياه الجنوب يعني انقطاع سلسلة معيشة السكان المحليين، فمع توقف محركات المراكب تتعطل سلسلة من الأعمال الصغيرة ومصادر الدخل اليومية، بدءاً من الموانئ وأسواق الأسماك، وصولاً إلى مخازن التبريد والمتاجر الصغيرة في المدن الساحلية.
النظام يضغط على سكان المنطقة
على مدى الأعوام الماضية، طرح متشددون داخل النظام الإيراني مراراً فكرة إغلاق مضيق هرمز، وكان رئيس تحرير صحيفة "كيهان"، حسين شريعتمداري، من أبرز المدافعين عن هذا التوجه، إذ وصف في مناسبات عدة إغلاق الممر المائي بأنه "ورقة ضغط" بيد النظام الإيراني في مواجهة الغرب، وبعد أعوام ظل فيها هذا الطرح يقتصر على التهديدات والشعارات السياسية، دخل مرحلة جديدة مع اندلاع الحرب في الـ 28 من فبراير (شباط) 2026، وبعد وقت قصير من الهجمات الأميركية والإسرائيلية، وجه الحرس الثوري تحذيرات إلى السفن، معلناً أن عبور مضيق هرمز لم يعد مسموحاً، وإثر ذلك غيرت كثير من السفن مساراتها أو توقفت في الموانئ، وخلال الأسابيع التالية أدى استهداف عدد من ناقلات النفط والسفن التجارية، والارتفاع الكبير في كلفة التأمين البحري، وانتشار القطع البحرية الأميركية، وتصاعد الوجود العسكري في الخليج العربي، إلى تحويل هذا الممر المائي إلى أحد أبرز ساحات المواجهة، وبعد إعلان وقف إطلاق النار ردت الولايات المتحدة وحلفاؤها بفرض حصار بحري على النظام الإيراني، شمل عملياً إغلاق مضيق هرمز في وجهه.
ومع اقتراب الطرفين من التوصل إلى تفاهم، انتقد التيار المؤيد لإغلاق مضيق هرمز، الذي كان يصف هذه الخطوة بأنها أداة ضغط تعادل في تأثيرها القنبلة النووية، التخلي عن التهديد بإغلاق الممر المائي، وخلال الأسابيع الأخيرة عاد مضيق هرمز، على رغم توقيع مذكرة تفاهم بين النظام الإيراني والولايات المتحدة، ليكون مسرحاً للمواجهة وتبادل إطلاق النار بين الطرفين، ولا سيما خلال الليالي الثلاث التي سبقت الـ 13 من يوليو (تموز) الجاري، حين تعرض جنوب إيران لقصف عنيف ومتواصل.
ومع تجدد القتال اتهم رئيس فريق التفاوض الإيراني محمد باقر قاليباف الولايات المتحدة، في منشور على منصة "إكس"، بانتهاك البند الخامس من مذكرة التفاهم والذي ينص على إعادة فتح مضيق هرمز، وضمان الملاحة الآمنة فيه، وفق ترتيبات إيرانية، وقال القائد السابق للحرس الثوري، محسن رضائي، في إشارة إلى الأهمية الإستراتيجية للمضيق، إن النظام الإيراني سيحافظ على السيطرة على هذا الممر، لأنه يمثل، بحسب تعبيره، أحد أهم عناصر الردع الإستراتيجي.
وفي السياق نفسه، كتب المتحدث باسم "لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية" في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي عبر منصة "إكس": "نحن نسيطر على مضيق هرمز بكل اقتدار، وسنواصل الحفاظ على هذه السيطرة بكل اقتدار".
اختناق المهن المرتبطة بالبحر
لا يكاد المسؤولون في النظام الإيراني، الذين يصفون مضيق هرمز بأنه أداة للردع، ويسعون إلى استخدام إغلاقه ورقة ضغط لانتزاع تنازلات من المجتمع الدولي، يأتون على ذكر السكان المحليين الذين يعتمد اقتصادهم ومعيشتهم على البحر، ولا يضعون أوضاعهم في الحسبان عند رسم سياساتهم واتخاذ قراراتهم، وسبق أن أفادت وكالة "إيلنا" للأنباء، خلال تقرير نشرته في مايو (أيار) الماضي، بأن الصيادين والبحارة في المناطق الساحلية جنوب محافظة سيستان وبلوشستان وشرق محافظة هرمزكان، من تشابهار وكنارك إلى بسابندر وميناب وسيريك وجاسك، اضطروا بالتزامن مع تصاعد التوترات والقيود المفروضة على الملاحة البحرية، إلى وقف جزء كبير من أنشطة الصيد والإبحار أو تقليصها على نحو حاد، وقال أحد مالكي المراكب في تشابهار للوكالة إن كثيراً من الأسر البلوشية المقيمة على الساحل، والتي كان البحر وصيد الأسماك مصدر دخلها الوحيد، باتت اليوم تواجه صعوبة حتى في تأمين أبسط متطلبات الحياة، مضيفاً أن القيود الناجمة عن الأوضاع الحربية، وتراجع حركة المراكب وانعدام الأمن في المسارات البحرية، واضطراب حركة التجارة المحلية، أسهمت في اتساع رقعة البطالة في المناطق الساحلية، وزادت ندرة فرص العمل البديلة، وارتفاع أسعار السلع الأساس، وتزايد كلفة المعيشة، حجم الضغوط الواقعة على السكان، مما دفع كثيراً من الأسر إلى أوضاع اقتصادية بالغة الصعوبة.
وأشار مالك المركب إلى أن الصيادين التقليديين في جنوب سيستان وبلوشستان وشرق هرمزكان يواجهون تحديات متفاقمة، مؤكداً ضرورة أن تبادر الحكومة إلى تعويض الأضرار التي لحقت بمراكب الصيد التقليدية، إضافة إلى إعداد وتنفيذ برامج دعم واضحة لتأمين سبل عيش الأسر المتضررة.
وخلال الأيام الأخيرة تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يظهر عدداً من الصيادين جنوب إيران وهم ينقلون قواربهم بصعوبة، من الموانئ إلى شوارع المدن، خشية تعرضها للتدمير جراء المواجهات العسكرية، في محاولة لحماية وسيلة الرزق الوحيدة التي تعيل أسرهم، وبحسب تقرير صادر عن "اتحاد الشركات التعاونية للصيادين" في محافظة هرمزكان، فقد دُمر نحو 30 قارب صيد في مرسى "بنج بله" بمدينة بندر عباس، خلال الهجمات التي استهدفت الشريط الساحلي جنوب إيران يومي الثامن والتاسع من يوليو الجاري، وقُدرت قيمة كل قارب بنحو ملياري تومان (13300 دولار)، وكذلك أفادت تقارير مماثلة باستهداف قوارب صيد في مدينة عسلوية.
وفي تقرير نشرته صحيفة "همشهري" في يونيو (حزيران) الماضي بعنوان "تحول لقمة عيش المهن المرتبطة بالبحر إلى حجر"، روت قصة ربان كان قبل الحرب يخرج بمركبه المتهالك للصيد في مياه الخليج العربي قبالة بوشهر، لكنه بات اليوم يقضي يومه في العمل سائق أجرة، ونقل التقرير عن أحد البحارة أنه اضطر، بعد توقف نشاطه البحري، إلى العمل في قطاع البناء والاعتماد على الأعمال اليومية.
ووفقاً للتقرير نفسه فقد كان كل مرسى للصيد في مدن جنوب إيران يضم، قبل اندلاع الحرب، نحو 80 مركباً و250 قارباً وسفينة صيد، لكن العدد انخفض اليوم 30 في المئة، وأصبح كثير من الربابنة والبحارة، على رغم مسؤوليتهم عن إعالة أسر كبيرة، يترددون في الإبحار، لأن كل رحلة قد تكون الأخيرة.
ويُظهر استعراض التقارير والأخبار المنشورة في وسائل الإعلام الإيرانية حول أوضاع المهن المرتبطة بالبحر جنوب البلاد، أن معظمها يقتصر على إحصاء عدد القوارب التي تعرضت للاستهداف خلال الحرب، فيما يحرص المسؤولون على التأكيد أن هذه القوارب كانت مدنية ومخصصة للصيد، في محاولة لتوظيف حجم الأضرار لتعزيز روايتهم السياسية.
وحين تتحول معاناة السكان المحليين إلى مادة للدعاية الرسمية، تتصدر أعداد القوارب والمراكب المحترقة البيانات والتقارير، بينما يغيب الحديث عن أوضاع الأسر التي تواجه أزمة معيشية خانقة، ففي عمق هذه الأزمة يقف اقتصاد محلي بأكمله، ومعه مصادر رزق آلاف الأسر في جنوب إيران، على حافة الانهيار، وفي وقت يواصل المسؤولون في النظام الإيراني تقديم مضيق هرمز بوصفه أداة للردع وورقة قوة في الصراعات الإقليمية، تكشف الوقائع على السواحل الجنوبية عن أن أول وأكثر المتضررين من إغلاق المضيق هم السكان المحليون أنفسهم، الذين لم يكن لهم أي دور في إشعال هذا الصراع، لكنهم يدفعون اليوم ثمن سياسات النظام، بموانئ مدمرة ومراكب محترقة، وموائد تزداد فراغاً يوماً بعد آخر.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=128&id=206518