فاتورة الشيخوخة تلاحق بريطانيا: نمو ضعيف وضرائب قياسية حتى 2075
16/07/2026






سيرياستيبس 
كتب الاعلامي غالب درويش 

بذلك تتحول السياسة الضريبية إلى نقطة التقاء بين حاجتين متعارضتين: حاجة الخزانة إلى تمويل فوري، وحاجة الاقتصاد إلى الحفاظ على الحافز للعمل والتوظيف، فالحكومة تحصل على إيرادات أكبر كلما اتسعت القاعدة الضريبية، لكن استمرار الضغط على الدخل والعمل قد يضعف القاعدة نفسها على المدى الأطول.

لم تعد زيادة الضرائب في بريطانيا مجرد خيار مالي تلجأ إليه الحكومة من وقت لآخر لسد فجوة موقتة في الموازنة، بعد أن تحولت إلى جزء من معادلة أكثر تعقيداً تجمع بين نمو اقتصادي ضعيف، ودين مرتفع، وفوائد تستنزف الإيرادات، وسكان يتقدمون في العمر، والتزامات متزايدة لتمويل الصحة والمعاشات والدفاع.

وتحتاج الخزانة البريطانية إلى موارد أكبر لمواجهة هذه الضغوط، لكن جمع مزيد من الأموال عبر ضرائب العمل والأجور يحمل كلفة مقابلة، إذ قد يضعف حوافز الانضمام إلى سوق العمل أو زيادة ساعات العمل، ويرفع كلفة التوظيف على الشركات، ويقيد قدرتها على الاستثمار والتوسع. وفي المقابل، فإن تجنب القرارات الصعبة أو تأجيلها يعني ترك الدين والإنفاق يتراكمَان حتى تصبح المعالجة أكثر كلفة.

هذه المعضلة هي محور تقرير "الأخطار المالية والاستدامة"، الذي أصدره مكتب مسؤولية الموازنة البريطاني في السابع من يوليو (تموز) الجاري، مستعرضاً مجموعة من السيناريوهات التي تقيس أبرز مصادر الضغط على الاقتصاد والمالية العامة خلال الـ50 عاماً المقبلة، انطلاقاً من نهاية التوقعات المتوسطة الأجل في 2030-2031 وحتى السنة المالية 2075-2076.

ولا تمثل المسارات التي يعرضها التقرير توقعات حتمية لما سيحدث، بل حسابات افتراضية توضح النتائج المحتملة إذا استمرت السياسات والافتراضات الحالية من دون تدخل. وأكد المكتب أن معظم هذه السيناريوهات تضع المالية العامة في نهاية المطاف على مسار غير قابل للاستمرار، مما يعني أن الحكومات المقبلة ستضطر إلى التحرك قبل تحققها بالكامل.

وتزداد صعوبة المهمة في ظل اقتصاد يتوقع صندوق النقد الدولي ألا يتجاوز نموه 1 في المئة خلال 2026، قبل أن يتحسن بصورة محدودة إلى 1.3 في المئة خلال 2027، مع تراجع آثار صدمة أسعار الطاقة. وهي وتيرة لا توفر وحدها زيادة كافية في الإيرادات لامتصاص الضغوط المتصاعدة على الإنفاق والدين.

مليونا عامل... رقم يشرح الخطر ولا يتنبأ به
استحوذ تقدير مرتبط بنحو مليوني عامل على الاهتمام الأكبر داخل تقرير "مكتب مسؤولية الموازنة"، لكنه لا يعني أن هذا العدد سيترك وظائفه أو يغادر بريطانيا بالفعل، ولا يمثل توقعاً بخروج جماعي وشيك من سوق العمل.

الرقم ناتج من حساب افتراضي يختبر أثر استمرار رفع حدود ضريبة الدخل بما يتوافق مع التضخم فقط، بدلاً من تحريكها مع نمو الأجور. وعندما ترتفع الأجور بوتيرة أسرع من الحدود الضريبية، يدخل مزيد من العاملين تدريجاً إلى نطاق الضريبة أو ينتقلون إلى شرائح أعلى، حتى من دون تغيير المعدلات المعلنة، وهي الظاهرة المعروفة باسم "الزحف الضريبي".

وبحسب سيناريو مكتب مسؤولية الموازنة، قد يرتفع متوسط معدل الضريبة الفعلي على دخل العمل من 21 في المئة إلى 31 في المئة بحلول 2075-2076 إذا استمرت الحدود في الزيادة مع التضخم لا الأجور، كذلك قد ترتفع نسبة أصحاب الدخول الواقعة فوق الحد الأعلى للضريبة من نحو ربع توزيع الدخول إلى قرابة الثلثين خلال الفترة ذاتها.


وفي السيناريو نفسه، قد يصبح الموظف الذي يعمل بدوام كامل ويتقاضى الحد الوطني للأجور خاضعاً لضريبة الدخل الأعلى خلال أواخر ستينيات القرن الحالي، نتيجة اتساع الفارق بين الأجور والحدود الضريبية على مدى العقود. وهذا تقدير طويل الأجل مشروط باستمرار الافتراضات ذاتها، وليس قراراً ضريبياً معلناً سيطبق في موعد محدد.

ويربط المكتب ارتفاع متوسط الضرائب بقرار الفرد الانضمام إلى سوق العمل أو البقاء خارجه، بينما ترتبط المعدلات الهامشية المرتفعة بقرار الموظف زيادة ساعات العمل أو الانتقال إلى وظيفة ذات أجر أعلى. وكلما انخفض الجزء الذي يحتفظ به العامل من دخله الإضافي، ضعفت الجدوى المالية للعمل لساعات أطول أو السعي إلى ترقية.

ومن هنا جاء الحساب الذي يشير إلى احتمال انخفاض عرض العمل بحلول 2075-2076 بما يعادل متوسط ساعات عمل نحو مليوني شخص. ولا يقيس الرقم بالضرورة عدد الأفراد الذين سيتوقفون عن العمل، بل يجمع الأثر الناتج من تراجع المشاركة وتقليل الساعات وضعف الإقبال على وظائف أعلى أجراً.

وأقر مكتب مسؤولية الموازنة بأن هذا الحساب محاط بدرجة كبيرة من عدم اليقين، لأن النموذج المستخدم صمم في الأصل لتقدير الاستجابات خلال الأجل القصير، ثم جرى تطبيقه على فترة تمتد عقوداً. ولذلك يمثل الرقم إشارة إلى حجم الخطر المحتمل، لا نتيجة مؤكدة لما سيكون عليه سوق العمل بعد نصف قرن.

"الزحف الضريبي" يبدأ من الحاضر
على رغم أن تقدير المليوني عامل يمتد إلى 2075-2076، فإن الآلية التي يستند إليها تعمل بالفعل في النظام الضريبي البريطاني، إذ يبلغ الإعفاء الشخصي من ضريبة الدخل 12570 جنيهاً استرلينياً (16817 دولاراً)، بينما يبدأ تطبيق معدل 40 في المئة عند وصول الدخل السنوي إلى 50271 جنيهاً (67255 دولاراً) في إنجلترا وويلز وإيرلندا الشمالية خلال السنة الضريبية 2026-2027، وفق بيانات الحكومة البريطانية.

ومع بقاء هذه الحدود ثابتة وارتفاع الأجور الاسمية، ينتقل عدد أكبر من الموظفين إلى نطاق الضريبة أو إلى الشرائح الأعلى، مما يزيد إيرادات الخزانة من دون رفع المعدلات الأساسية. ويطلق على هذه الآلية أحياناً "الضريبة الخفية"، لأنها ترفع العبء الفعلي من خلال الحدود لا من خلال إعلان نسبة جديدة.

وانعكس ذلك بالفعل على الإيرادات المسجلة، إذ ارتفعت حصيلة ضريبة الدخل المحصلة من الأجور 18.4 مليار جنيه (24.6 مليار دولار)، أو 7 في المئة، خلال السنة المالية المنتهية في مارس (آذار) 2026، وعزا مكتب الإحصاءات الوطنية جانباً من هذه الزيادة إلى انتقال مزيد من دافعي الضرائب إلى شرائح أعلى بفعل الزحف الضريبي.

ولا يقتصر العبء على الموظفين، إذ يدفع أصحاب العمل مساهمات تأمين وطني بنسبة 15 في المئة على الأجور التي تتجاوز الحد المقرر، بعدما كان المعدل 13.8 في المئة قبل أبريل (نيسان) 2025، وفق بيانات الحكومة البريطانية.

وأدى رفع مساهمات أصحاب العمل إلى زيادة حصيلة المساهمات الاجتماعية الإلزامية 32.6 مليار جنيه (43.6 مليار دولار)، أو 18.7 في المئة، خلال السنة المالية 2025-2026، بحسب مكتب الإحصاءات الوطنية. وتكشف هذه الزيادة حجم الإيرادات التي توفرها ضرائب العمل، لكنها تعني في المقابل ارتفاع الكلفة الإجمالية لكل موظف بالنسبة إلى الشركات.

وبذلك تتحول السياسة الضريبية إلى نقطة التقاء بين حاجتين متعارضتين: حاجة الخزانة إلى تمويل فوري، وحاجة الاقتصاد إلى الحفاظ على الحافز للعمل والتوظيف، فالحكومة تحصل على إيرادات أكبر كلما اتسعت القاعدة الضريبية، لكن استمرار الضغط على الدخل والعمل قد يضعف القاعدة نفسها على المدى الأطول.

سوق العمل تفقد جزءاً من هامشها
تأتي زيادة كلفة العمل بينما تظهر أحدث البيانات الرسمية تراجعاً في بعض مؤشرات سوق العمل البريطانية، وإن كانت هذه التحركات لا يمكن نسبها إلى الضرائب وحدها، في ظل تأثير ضعف الطلب وكلفة الطاقة والفائدة وعدم اليقين الاقتصادي.

وبحسب التقديرات الأولية لمكتب الإحصاءات الوطنية، بلغ عدد الموظفين المسجلين على كشوف الرواتب 30.3 مليون شخص خلال مايو (أيار) الماضي، بانخفاض 119 ألف موظف، أو 0.4 في المئة، مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، بينما سجل العدد زيادة شهرية محدودة بلغت ألفي موظف فقط، وأكد المكتب أن تقديرات مايو موقتة وقابلة للمراجعة.

وسجل معدل البطالة 4.9 في المئة خلال الفترة الممتدة من فبراير (شباط) إلى أبريل الماضي، بارتفاع 0.3 نقطة مئوية مقارنة بالعام السابق، على رغم انخفاضه بالنسبة نفسها مقارنة بالأشهر الثلاثة السابقة، وفق مكتب الإحصاءات الوطنية.

وفي الوقت ذاته، تراجع عدد الوظائف الشاغرة 19 ألفاً، أو 2.6 في المئة، خلال الفترة من مارس إلى مايو، ليستقر عند 707 آلاف وظيفة، وهو أدنى مستوى منذ الفترة الممتدة من فبراير إلى أبريل 2021، كذلك انخفض العدد 4.2 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

وتعني هذه البيانات أن الباحثين عن عمل يواجهون سوقاً أقل سخاء من الأعوام التي أعقبت جائحة كورونا، بينما تصبح الشركات أكثر حذراً في إضافة موظفين جدد. وفي هذا السياق، يمكن لأي زيادة إضافية في الضرائب المرتبطة بالتوظيف أن تتحول إلى عامل آخر في قرار تجميد التعيينات أو تقليل التوسع.

لكن العلاقة ليست خطية أو مباشرة، إذ لا تثبت أرقام التوظيف أن رفع الضرائب تسبب وحده في التراجع. فالشركات تقرر التعيين بناء على الطلب المتوقع، وكلفة التمويل، والأجور، وأسعار الطاقة، ومستوى الثقة، إلى جانب الضرائب. ومع ذلك، فإن تزامن ارتفاع كلفة العمل مع تراجع الوظائف الشاغرة يقلص قدرة الاقتصاد على استيعاب زيادات جديدة من دون آثار جانبية.

نمو لا يكفي لتوسيع الإيرادات
كان النمو الاقتصادي قادراً نظرياً على تخفيف هذه الضغوط من خلال زيادة دخول الأفراد وأرباح الشركات وحصيلة الضرائب، لكن أحدث المؤشرات ترسم مساراً متفاوتاً لا يوفر بعد قاعدة قوية لمعالجة الاختلالات المالية.

فقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 0.1 في المئة خلال أبريل الماضي، بعد نموه 0.3 في المئة خلال مارس و0.4 في المئة خلال فبراير، وفق مكتب الإحصاءات الوطنية.

وجاء الانخفاض الشهري مدفوعاً بتراجع قطاع الخدمات 0.2 في المئة، في حين استقر الإنتاج وارتفع البناء 0.1 في المئة.

لكن الصورة تتحسن عند قياسها على فترة أطول، إذ نما الاقتصاد 0.7 في المئة خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في أبريل مقارنة بالأشهر الثلاثة السابقة، مدعوماً بزيادة نشاط الخدمات 0.8 في المئة والبناء 1.6 في المئة، بحسب المكتب. وهو ما يعني أن الانكماش الشهري لا يمثل وحده دليلاً على دخول الاقتصاد في ركود، لكنه يظهر هشاشة الزخم وتفاوت الأداء بين الأشهر والقطاعات.


أما على مستوى العام، فيتوقع "صندوق النقد الدولي" تباطؤ النمو إلى 1 في المئة خلال 2026، قبل ارتفاعه إلى 1.3 في المئة في 2027. وهذه الأرقام توقعات وليست نتائج فعلية، وقد تتغير مع تطور أسعار الطاقة والطلب العالمي والسياسات النقدية والمالية.

ويضيف مستوى الفائدة قيداً آخر، إذ أبقت لجنة السياسة النقدية في "بنك إنجلترا" سعر الفائدة عند 3.75 في المئة خلال اجتماعها المنتهي في 17 يونيو (حزيران)، بتصويت 7 أعضاء لمصلحة التثبيت في مقابل عضوين أيدا رفعه إلى 4 في المئة.

وجاء القرار فيما بلغ التضخم 2.8 في المئة، متجاوزاً مستهدف البنك البالغ 2 في المئة، مع توقعات بعودته إلى الارتفاع خلال العام نتيجة انتقال أثر أسعار الطاقة.

ويعني استمرار الفائدة عند مستويات مرتفعة نسبياً زيادة كلفة الاقتراض على الأسر والشركات والحكومة في وقت واحد.

ومن ثم لا تستطيع الحكومة التعويل على نمو سريع يرفع الإيرادات تلقائياً، ولا على خفض حاد للفائدة يقلص خدمة الدين سريعاً. ويعيد ذلك الضرائب إلى واجهة النقاش، لكن ضمن اقتصاد لا يمتلك مساحة غير محدودة لتحمل زيادات جديدة.

فوائد الدين تسبق الإيرادات
تكشف بيانات المالية العامة أن جانباً متزايداً من موارد الدولة يذهب إلى خدمة التزامات سابقة بدلاً من تمويل خدمات جديدة، مما يزيد صعوبة الموازنة بين الضرائب والإنفاق.

وبلغ اقتراض القطاع العام 23.3 مليار جنيه (31.2 مليار دولار) خلال مايو الماضي، بزيادة 5.4 مليار جنيه (7.2 مليار دولار)، أو 30.4 في المئة، مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، ومتجاوزاً توقع مكتب مسؤولية الموازنة للشهر بمقدار 5.6 مليار جنيه (7.5 مليار دولار)، وفق البيانات الأولية لمكتب الإحصاءات الوطنية.

وخلال الشهر ذاته، سجلت فوائد دين الحكومة المركزية 11.7 مليار جنيه (15.7 مليار دولار)، بزيادة 4.1 مليار جنيه (5.5 مليار دولار) أو 54.4 في المئة، مقارنة بمايو 2025، وهي أعلى فاتورة تسجل في أي شهر مايو منذ بدء السجلات، من دون تعديل أثر التضخم.

ويرتبط جانب مهم من التقلب في فاتورة الفوائد بالسندات الحكومية المرتبطة بالتضخم، إذ أضاف تحرك مؤشر أسعار التجزئة نحو 4.9 مليار جنيه (6.6 مليار دولار) إلى فوائد الدين خلال مايو.

ووصل الاقتراض في أول شهرين من السنة المالية 2026-2027 إلى 46.3 مليار جنيه (62 مليار دولار)، بزيادة 8.9 مليار جنيه (11.9 مليار دولار)، أو 23.9 في المئة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، كذلك تجاوز تقديرات مكتب مسؤولية الموازنة بمقدار 7.7 مليار جنيه (10.3 مليار دولار).

وفي نهاية مايو، بلغ صافي دين القطاع العام 95.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بزيادة 0.4 نقطة مئوية على أساس سنوي، ليظل عند مستويات شوهدت آخر مرة خلال أوائل ستينيات القرن الماضي، وأوضح مكتب الإحصاءات الوطنية أن هذا التقدير أولي وقابل للمراجعة.

وتوضح هذه الأرقام كيف يمكن أن تفقد زيادة الإيرادات جزءاً من أثرها سريعاً عندما ترتفع فوائد الدين والإنفاق الجاري بوتيرة مماثلة أو أسرع. ففي مايو وحده، ارتفعت إيرادات الحكومة المركزية 3.4 مليار جنيه (4.6 مليار دولار) مقارنة بالعام السابق، بينما زاد إنفاقها الجاري 6.4 مليار جنيه (8.6 مليار دولار) وكان ارتفاع فوائد الدين أكبر مكونات الزيادة.

شيخوخة السكان تعيد كتابة الموازنة
إذا كانت فوائد الدين تمثل الضغط الأقرب، فإن شيخوخة السكان تشكل التحدي الأعمق خلال العقود المقبلة، لأنها ترفع الطلب على الصحة والرعاية والمعاشات في الوقت الذي تتباطأ فيه زيادة السكان في سن العمل.

وفي سيناريو الأساس الذي وضعه مكتب مسؤولية الموازنة، يصل إجمالي عدد السكان إلى ذروة تقل قليلاً عن 73 مليون نسمة في منتصف خمسينيات القرن الحالي، قبل أن يتراجع إلى نحو 71.5 مليون نسمة بحلول 2075، بينما يرتفع متوسط العمر الوسيط من 40 سنة في 2025 إلى 49 سنة في 2075، وتعتمد هذه الأرقام على أحدث التوقعات السكانية الرئيسة لمكتب الإحصاءات الوطنية.

ولا تمثل هذه الأرقام تعداداً مستقبلياً مؤكداً، بل تقديرات ديموغرافية تتأثر بمعدلات المواليد والوفيات والهجرة، لكنها توضح الاتجاه الذي بنى عليه مكتب مسؤولية الموازنة حساباته للضرائب والإنفاق وحجم القوى العاملة.

وبحسب سيناريو الأساس، يرتفع الإنفاق المرتبط بالعمر من نحو 26 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال 2030-2031 إلى 35 في المئة بحلول 2075-2076. ويشمل ذلك الصحة والرعاية والمعاشات والتعليم وأشكالاً أخرى من الدعم الاجتماعي.

ويتوقع السيناريو ارتفاع الإنفاق الصحي من 8 في المئة من الناتج إلى 13 في المئة خلال الفترة، نتيجة شيخوخة السكان وافتراض استمرار ضغوط التكاليف التي تتجاوز التغير الديموغرافي وحده، كذلك يرتفع الإنفاق على الرعاية الاجتماعية للبالغين من 1.2 في المئة إلى 1.8 في المئة من الناتج.

وفي الوقت نفسه، قد يرتفع الإنفاق على معاش الدولة من 5 في المئة إلى 9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مدفوعاً بزيادة عدد كبار السن وتطبيق نظام "القفل الثلاثي"، الذي يرفع المعاش وفق أعلى معدل بين نمو الأجور والتضخم و2.5 في المئة. ويقدر المكتب أن نظام القفل الثلاثي يمثل نحو ثلث الزيادة المتوقعة في فاتورة معاش الدولة بنهاية الفترة.

وتضاف إلى هذه الضغوط التزامات أخرى لا ترتبط مباشرة بالشيخوخة، من بينها رفع الإنفاق الدفاعي إلى 3.5 في المئة من الناتج بحلول 2035، إضافة إلى الاستثمارات اللازمة لتنفيذ التزام الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية بحلول 2050، وفق افتراضات مكتب مسؤولية الموازنة.

وبجمع هذه البنود، يتوقع سيناريو الأساس ارتفاع الإنفاق الأولي، أي الإنفاق قبل احتساب فوائد الدين، من 40 في المئة من الناتج خلال 2030-2031 إلى 49 في المئة بحلول 2075-2076، بينما تبقى الإيرادات الأولية قرب 41 في المئة من الناتج. ومن هنا تبدأ الفجوة الهيكلية بين ما تنفقه الدولة وما تجمعه.

"مسار تحذيري" أم "توقع حتمي"
عند إضافة فوائد الدين إلى الفجوة بين الإنفاق والإيرادات، يرسم سيناريو الأساس مساراً يرتفع فيه صافي اقتراض القطاع العام من 1.6 في المئة من الناتج خلال 2030-2031 إلى قرابة 20 في المئة بحلول 2075-2076، فيما تصبح الفوائد أكبر عنصر في زيادة الاقتراض بنهاية الفترة، وفق مكتب مسؤولية الموازنة.

وفي المسار نفسه، يرتفع صافي الدين العام من نحو 95 في المئة من الناتج خلال 2030-2031 إلى قرابة 300 في المئة بحلول 2075-2076. لكن المكتب شدد على أن هذا الرقم لا يمثل توقعاً بأن الدين سيصل فعلياً إلى ذلك المستوى، لأن المسار سيكون غير قابل للاستمرار، وسيجبر الحكومات على اتخاذ إجراءات قبل تحققه.

وتكمن أهمية الرقم في أنه يوضح نتيجة ترك الفجوة المالية تتسع عاماً بعد آخر من دون تعديل للضرائب أو الإنفاق أو النمو، وليس في تقديم مستوى متوقع للدين بعد 50 عاماً. ولذلك يصبح السؤال الأساسي هو حجم التدخل المطلوب وتوقيته، لا إمكان الاستمرار حتى الوصول إلى نهاية السيناريو.

ويقدر مكتب مسؤولية الموازنة أن إبقاء الدين عند نحو 95 في المئة من الناتج بحلول 2075-2076 يتطلب تحسناً دائماً وفورياً في الرصيد الأولي يعادل 3.8 في المئة من الناتج، إذا بدأ التعديل خلال 2031-2032. وهذا الحجم يعادل تقريباً حصيلة ضريبة الشركات المحلية أو يقترب من الإنفاق على التعليم خلال تلك الفترة.

أما إذا أجلت الحكومات التدخل حتى 2052-2053، فقد يرتفع التعديل المطلوب إلى نحو 8 في المئة من الناتج، بما يقارب إجمالي إنفاق الوزارات على الصحة أو زيادة ضريبية تولد إيرادات تعادل نحو ثلثي حصيلة ضريبة الدخل. وهذه مقارنة حسابية وضعها المكتب لتوضيح كلفة التأخير، وليست توصية بفرض ضريبة بهذا الحجم.

ويظل رفع الإنتاجية العامل الأكثر تأثيراً في حجم الفاتورة، إذ ينخفض التعديل المالي المطلوب إلى 1.8 في المئة من الناتج في سيناريو الإنتاجية الأعلى، بينما يرتفع إلى 8.6 في المئة في سيناريو الإنتاجية المنخفضة.

وتكشف هذه الفجوة أن مستقبل المالية العامة البريطانية لن يحسم فقط داخل جداول الضرائب والإنفاق، بل داخل الشركات والمصانع والأسواق ومدى قدرة كل عامل واستثمار على إنتاج قيمة أكبر. فالاقتصاد الذي ينمو ويرفع إنتاجيته يستطيع تمويل الخدمات العامة بعبء أقل، بينما يدفع الاقتصاد الضعيف الحكومة إلى العودة مرة بعد أخرى للضرائب والاقتراض.

ولا تعني هذه الحسابات أن بريطانيا استنفدت قدرتها على جمع إيرادات إضافية، لكنها تشير إلى أن الاعتماد على ضرائب العمل وحدها يصبح أكثر صعوبة كلما ارتفعت المعدلات الفعلية واتسعت الشرائح الخاضعة لها. فالإيراد الذي تحققه الضريبة اليوم قد يقابله غداً انخفاض في ساعات العمل أو التوظيف أو الاستثمار إذا أصبحت الكلفة الاقتصادية أعلى من قدرة السوق على الاحتمال.

وهكذا لا يدق ناقوس الخطر قرار ضريبي واحد أو موازنة بعينها، بل التقاء ثلاثة مسارات في وقت واحد: اقتصاد يتوقع له نمو محدود، ودين تستهلك فوائده جانباً متزايداً من الإيرادات، وسكان أكبر سناً يحتاجون إلى إنفاق أعلى على مدى عقود.

وبين زيادة الضرائب وخفض الإنفاق ورفع الإنتاجية، لن يكون السؤال الذي يواجه الحكومة البريطانية هو ما إذا كانت البلاد ستدفع كلفة تصحيح أوضاعها المالية، بل متى ستدفعها، وكيف ستوزعها، وما إذا كان التحرك سيبدأ مبكراً بكلفة يمكن احتواؤها، أم بعد أن تصبح الخيارات أضيق والفاتورة أشد قسوة.

اندبندنت عربية 



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=145&id=206536

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc