من صدمة النفط الصخري إلى تحولات الطاقة.. كيف صمد نفوذ أوبك؟
20/07/2026





سيرياستيبس 
كتب الاعلامي غالب درويش 


ظلت قرارات منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) حاضرة في حسابات السوق، على رغم الحروب التي طاولت بعض أعضائها والتوترات التي فرقت مواقفها السياسية.
تغيرت خريطة النفط العالمية خلال العقدين الماضيين على نحو أعاد توزيع مراكز الإنتاج والتصدير، بعدما صعد النفط الصخري الأميركي وتوسعت إمدادات البرازيل وكندا وغيانا، تزامناً مع ضغوط سياسية واقتصادية متزايدة لتسريع الانتقال إلى مصادر الطاقة النظيفة.
في المقابل، ظلت قرارات منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) حاضرة في حسابات السوق، على رغم الحروب التي طاولت بعض أعضائها والتوترات التي فرقت مواقفها السياسية.
وهذا الحضور لا يعني أن المنظمة ما زالت قادرة على تحديد الأسعار منفردة، كما كان يعتقد في مراحل سابقة، لكنه يكشف عن تحول أعمق في طبيعة نفوذها، فالقوة لم تعد مرتبطة بحجم الإنتاج وحده، بل بقدرة مجموعة من كبار المنتجين على إضافة كميات إلى السوق أو حجبها، وإدارة توقعات المتعاملين، ثم تعديل السياسة الإنتاجية عندما يتغير الطلب أو تتعرض الإمدادات لصدمة مفاجئة.
وتوفر بيانات "أوبك" تفسيراً رقمياً لهذه القدرة، إذ بلغ الطلب العالمي على النفط 105.15 مليون برميل يومياً خلال عام 2025، بينما ارتفع إنتاج الخام عالمياً إلى 74.85 مليون برميل يومياً.
وصدرت دول المنظمة 19.85 مليون برميل يومياً من الخام، اتجه 14.8 مليون برميل منها إلى آسيا، مما يربط جانباً كبيراً من نفوذها بأسرع أسواق الاستهلاك والتكرير نمواً.
وما زالت دولها تمتلك غالبية الاحتياطات المؤكدة عالمياً، وهي قاعدة تمنحها ثقلاً يتجاوز تقلبات الإنتاج قصيرة الأجل.
لكن اتساع الإنتاج من خارج المنظمة دفعها إلى تغيير آلية عملها، ففي ديسمبر (كانون الأول) 2016، أنشأت مع 10 دول منتجة من خارجها "إعلان التعاون"، الذي أصبح الأساس العملي لتحالف "أوبك+".
 وجاءت هذه الخطوة بعدما أظهرت تخمة المعروض منذ عام 2014 أن إدارة السوق لم تعد ممكنة داخل المنظمة وحدها، وأن فاعلية أي خفض تحتاج إلى مشاركة روسيا ومنتجين مستقلين آخرين.
الاختبار الأكبر
وجاء الاختبار الأكبر خلال جائحة كورونا، عندما انهار الطلب وتكدست المخزونات، فاتفق التحالف على خفض 9.7 مليون برميل يومياً بدءاً من مايو (أيار) 2020.
ولم ينه القرار الأزمة فوراً، لكنه حد من تسارع الفائض ومهد لاستعادة التوازن مع عودة النشاط الاقتصادي.
 منذ ذلك الحين، تحولت سياسة التحالف إلى تحركات أكثر مرونة تجمع بين الخفض الطوعي وإعادة الكميات تدريجاً، وهو ما ظهر مجدداً في قرار السبع دول خلال يوليو (تموز) الجاري تعديل الإنتاج بمقدار 188 ألف برميل يومياً بدءاً من أغسطس (آب) المقبل، مع إبقاء إمكان وقف إعادة الكميات أو عكسها وفق ظروف السوق.
ويكشف أحدث تقرير شهري للمنظمة حدود هذه المعادلة وفرصها في آن، إذ تتوقع "أوبك" نمو الطلب العالمي بنحو 800 ألف برميل يومياً خلال 2026 وبنحو 1.9 مليون برميل عام 2027، في مقابل زيادة متوقعة قدرها 600 ألف برميل يومياً في إنتاج الدول غير المشاركة في "إعلان التعاون" خلال كل من العامين.
وهذا يعني أن التحالف ما زال يواجه طلباً متنامياً على نفطه، لكنه يتحرك داخل سوق لم يعد يحتكر فيها البراميل الإضافية.
وتتجاوز أدوات التأثير حركة الإنتاج نفسها، فقد خلصت ورقة بحثية صادرة عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى أن اتصالات "أوبك" وبياناتها ترتبط بانخفاض تقلبات الأسعار ودفع المتعاملين إلى إعادة موازنة مراكزهم.
ويشير ذلك إلى أن صدقية الرسالة وتوقع السوق للخطوة المقبلة أصبحا جزءاً من النفوذ، إلى جانب الاحتياطات والطاقة الفائضة.
وقال متخصصون في الشأن النفطي لـ"اندبندنت عربية" إن قدرة "أوبك" على البقاء في مركز السوق نتجت من الجمع بين الموارد المادية والتحالف السياسي والمرونة التشغيلية، لكنهم اتفقوا على أن نفوذ المنظمة تغير من توجيه الأسعار مباشرة إلى إدارة التوازن بين حماية الإيرادات والحفاظ على الحصة السوقية.
هدف مشترك
من جانبه، يرى مستشار الطاقة ومدير قسم المعلومات السابق في منظمة "أوبك" فؤاد عبدالمجيد الزاير أن قدرة المنظمة على الحفاظ على مكانتها طوال أكثر من ستة عقود تعود إلى أن الدول الأعضاء، على رغم اختلاف توجهاتها السياسية، ظلت متفقة على هدف اقتصادي مشترك يتمثل في تنسيق السياسات النفطية وحماية مصالحها الجماعية.


وأوضح الزاير أن "أوبك" واجهت خلال مسيرتها حروباً بين بعض أعضائها، وأزمات جيوسياسية عالمية، إضافة إلى ضغوط متزايدة للتخلي عن الوقود الأحفوري، لكنها تمكنت من تجاوز تلك التحديات بفضل إدراك أعضائها أن استقرار اقتصاداتهم يرتبط بفاعلية المنظمة وقدرتها على اتخاذ قرارات متوازنة.
وأشار الزاير إلى أن إنشاء تحالف "أوبك+" عام 2016 مثَّل نقطة تحول مهمة في إدارة سوق النفط، بعدما أصبح من الواضح أن "أوبك" وحدها لم تعد قادرة على التأثير في المعروض العالمي مع تنامي إنتاج الدول غير الأعضاء، مؤكداً أن آلية التنسيق مع المنتجين المستقلين، وفي مقدمتهم روسيا، أثبتت فاعليتها عبر سياسات إنتاج مرنة أعادت التوازن بين العرض والطلب.
وفي هذا الإطار استشهد فؤاد الزاير بإدارة أزمة جائحة كورونا، عندما نفذ تحالف "أوبك+" أكبر خفض إنتاج في تاريخه، مما أسهم في امتصاص فائض المعروض وتهيئة السوق للتعافي.
عناصر قوة
وأضاف الزاير أن المنظمة لا تزال تمتلك عناصر قوة استراتيجية، في مقدمها احتفاظ دولها بنحو 80 في المئة من احتياطات النفط العالمية، إلى جانب امتلاك طاقات إنتاجية فائضة واستثمارات مستمرة تمنحها القدرة على التدخل عند الأزمات.
لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الحفاظ على هذا النفوذ يتطلب تطوير أدوات "أوبك" وآليات عملها بما يواكب التحولات المتسارعة في سوق الطاقة العالمية.
الطاقة الفائضة
وقال الرئيس التنفيذي لمركز "كوروم للدراسات" طارق الرفاعي إن امتلاك دول "أوبك" جانباً كبيراً من الطاقة الإنتاجية الفائضة منحها قدرة لا تتوافر لمعظم المنتجين، إذ تستطيع التحرك سريعاً عند اضطراب الإمدادات أو اختلال العلاقة بين العرض والطلب.
ويرى أن "أوبك+" وسَّع هذه القدرة من خلال ضم كبار المنتجين من خارج المنظمة، فيما أدى نمو الإنتاج الأميركي وغيره إلى تقليص إمكان تحديد الأسعار بصورة أحادية، من دون أن يلغي دور التحالف كآلية لضبط التقلبات وتعزيز استقرار السوق.
طلب ممتد
بدوره، يقول مستشار الطاقة في شركة "هوك" خالد العوضي إن الثقل المشترك للسعودية وروسيا أبقى "أوبك+" لاعباً يصعب تجاوزه، وإن النفط لن يفقد أهميته مع نمو الطاقة المتجددة، نظراً إلى استخداماته الواسعة في البتروكيماويات والأسمدة والبلاستيك والبوليمرات ومواد البناء وصناعات السيارات والطائرات.
وأضاف العوضي أن تحول الطاقة سيغير خريطة الطلب، لكنه لن ينهي الحاجة إلى إدارة المعروض أو دور التحالف في السوق.
بعد إضافي
وتمنح تقديرات شركات الأبحاث هذه الآراء بعداً إضافياً، إذ ترى "كبلر" أن التحالف يستخدم مرونة إعادة الإنتاج لتحقيق هدفين مترابطين، هما استعادة جزء من الحصة التي انتقلت إلى المنتجين من خارجه وتقليص الطاقة الفائضة غير المستغلة. غير أن هذا المسار يحتاج إلى تدرج، لأن عودة البراميل بوتيرة أسرع من نمو الطلب قد تحول أداة استعادة الحصة إلى ضغط مباشر على الأسعار.
وتحذر "ريستاد إنرجي" من هذا الاحتمال، إذ تتوقع عودة السوق إلى فائض في المعروض قد يصل إلى 5 ملايين برميل يومياً خلال عام 2027، إذا استعادت الإمدادات مستوياتها السابقة ولم يواكبها تعافٍ مماثل في الطلب.
ويعني ذلك أن قدرة "أوبك+" على إعادة كميات إضافية لا تمثل دليلاً كافياً على القوة، ما لم تكن السوق قادرة على استيعاب هذه البراميل من دون تراجع حاد في الأسعار.
وفي الاتجاه المقابل، ترى "وود ماكنزي" أن استمرار الأسعار الضعيفة قد يبطئ نمو الإنتاج من خارج "أوبك" من 1.2 مليون برميل يومياً خلال عام 2025 إلى نحو 300 ألف برميل يومياً عام 2027، بما يفتح مجالاً أمام التحالف لاستعادة جزء من حصته. وتكشف هذه القراءة عن الوجه الآخر لاستراتيجية "أوبك+"، إذ يمكن للأسعار المنخفضة أن تضغط على المنتجين الأعلى كلفة، لكنها تقلص في الوقت نفسه إيرادات أعضاء التحالف.
وتظهر تقديرات الشركات أن آراء المتخصصين لا تنفصل عن الاختبار الجاري داخل السوق، فالطاقة الفائضة التي وُصفت بأنها أداة القوة يمكن أن تتحول إلى عبء إذا أُعيدت سريعاً، والتماسك الذي بين الأعضاء يصبح أكثر صعوبة حين تتعارض الحصص مع خطط الدول الاستثمارية، بينما يبقى الطلب الصناعي داعماً طويل الأجل، لكنه لا يمنع ظهور فوائض دورية في المعروض.
وعليه، لم يعد نجاح "أوبك+" يُقاس بقدرته على رفع السعر كلما خفض الإنتاج، بل بقدرته على اختيار اللحظة التي يدعم فيها الأسعار، واللحظة التي يعيد فيها البراميل لحماية حصته.
وبين هذين الهدفين يبقى تماسك التحالف والطاقة الفائضة وصدقية القرارات العناصر التي تحدد مقدار نفوذه في سوق أكثر تنوعاً وأشد تقلباً.


اندبندنت عربية 



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=136&id=206592

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc