مشاريع مستقرة وأطفال بوطنين.. لماذا يتردد اللاجئون السوريون في العودة؟
26/07/2026
سيرياستيبس
لم تعد عودة السوريين من بلدان اللجوء والإقامة مرتبطة بانتهاء الأسباب التي دفعتهم إلى مغادرة بلادهم فحسب، إذ بات القرار محكوماً بحياة جديدة أسسوها خلال سنوات طويلة، وبمستقبل أطفال نشؤوا خارج سوريا، إضافة إلى التزامات مهنية واقتصادية يصعب التخلي عنها.
وبعد سقوط نظام الأسد، بدأ بعض السوريين الاستعداد للعودة، في حين اختار آخرون البقاء في البلدان التي يقيمون فيها، ولو بصورة مؤقتة. فسنوات الغياب لم تمر من دون تغييرات؛ إذ ولد أطفال وكبروا خارج البلاد، واستقرت عائلات في مجتمعات جديدة، بينما أسس كثيرون أعمالاً ومشاريع احتاجت إلى سنوات حتى تنجح.
ولا يعني البقاء خارج سوريا، بالنسبة إلى هؤلاء، رفض العودة أو انقطاع الصلة بالبلاد، بل يرتبط بسؤال أساسي: كيف يمكن للأسرة ترك حياة بنتها على مدى سنوات والبدء من الصفر مرة أخرى؟
حياة تغيرت خلال سنوات الغياب
عاد مئات الآلاف من السوريين إلى بلادهم خلال الأشهر الأخيرة، بينما ما يزال آخرون في دول اللجوء والإقامة، بعدما تغيرت ظروفهم العائلية والمهنية مقارنة بالفترة التي غادروا فيها سوريا.
فبعضهم يمتلك اليوم منزلاً أو مشروعاً، وبعضهم الآخر يشغل وظيفة مستقرة، في حين التحق أبناؤهم بالمدارس والجامعات، وأصبحت لديهم علاقات اجتماعية ومهنية مرتبطة بالبلدان التي يعيشون فيها.
وفي المقابل، تتطلب العودة البحث عن عمل وسكن، وتأمين الخدمات الأساسية، وإعادة بناء العلاقات المهنية والاجتماعية داخل سوريا. ولهذا، أصبح القرار بالنسبة إلى كثير من الأسر مرتبطاً بقدرتها على الحفاظ على استقرارها وضمان مستقبل أبنائها.
ويقول برهان محمود في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، وهو سوري مقيم في السويد: "زرت سوريا مع عائلتي، لكن من الصعب أن أعود في المستقبل القريب. ابنتي في الجامعة ولدي طفل في المدرسة، كما أنهم اعتادوا الحياة هنا، ولا أستطيع إجبارهم على العودة فجأة".
أطفال يعرفون سوريا من حكايات عائلاتهم
يشكل الأطفال الذين ولدوا خارج سوريا أو غادروها في سنواتهم الأولى عاملاً أساسياً في قرارات كثير من العائلات المتعلقة بالعودة.
فعدد من هؤلاء الأطفال لا يعرف سوريا إلا من الصور وحكايات آبائهم، أو من زيارات قصيرة أجروها برفقة عائلاتهم. وفي المقابل، ترتبط حياتهم اليومية بالبلدان التي نشؤوا فيها، من خلال اللغة والمدرسة والأصدقاء والبيئة الاجتماعية المحيطة بهم.
ويجد بعض الأطفال أنفسهم أمام انتماء مزدوج؛ فسوريا هي بلد عائلاتهم وجزء من هويتهم، لكن البلد الذي ولدوا أو نشؤوا فيه هو المكان الذي يعرفونه ويشعرون فيه بالاستقرار.
وتضع هذه الحالة الآباء أمام قرار يتعلق بقدرة أطفالهم على الانتقال إلى نظام تعليمي وبيئة اجتماعية جديدين، والبدء في بلد قد لا يعرفون عنه سوى ما سمعوه داخل المنزل.
وفي حديثها لموقع تلفزيون سوريا، تقول جمان محي الدين، وهي سورية مقيمة في برلين: "عندما غادرنا سوريا كان أطفالي صغاراً. تعلموا الكلام هنا، ويتحدثون لغة البلد ويدرسون مناهجه، وأصدقاؤهم من ثقافات مختلفة. كلما تحدثنا عن العودة رفضوا الفكرة رفضاً قاطعاً، ولا أستطيع انتزاعهم من المكان الذي يشعرون فيه بالأمان".
رحلة تأسيس جديدة
واجه السوريون خلال سنواتهم الأولى خارج البلاد صعوبات في تعلم لغات جديدة ودخول أسواق العمل، كما اضطر كثيرون إلى العمل في مهن لا تتوافق مع اختصاصاتهم، قبل أن يتمكنوا تدريجياً من تحسين أوضاعهم.
وبعد سنوات من المحاولات، استطاع بعضهم تأسيس مطاعم وشركات ومشاريع صغيرة، في حين أكمل آخرون دراستهم الجامعية، أو حصلوا على تراخيص مهنية، أو تقدموا في وظائف تطلب الوصول إليها وقتاً وجهداً.
وبالنسبة إلى هؤلاء، لا تقتصر العودة على الانتقال الجغرافي، بل تعني التخلي عن مسار بُني خلال سنوات، ثم البحث مجدداً عن عمل أو تأسيس مشروع والتكيف مع واقع مختلف.
ويقول رامي النهار، وهو سوري مقيم في القاهرة خلال حديثه إلى موقع تلفزيون سوريا: "افتتحت مطعماً صغيراً قبل خمس سنوات، ودفعت كل ما أملكه لتجهيزه. بدأت الآن أحصد ما زرعته، ولا يمكنني ترك كل شيء والعودة، وحتى إذا قررت بيع المشروع فسأخسر الكثير".
الوظائف والمشاريع تؤجل العودة
يدفع العامل الاقتصادي بعض السوريين إلى تأجيل العودة، خاصة من يرتبط دخلهم في الخارج بإعالة أفراد من عائلاتهم داخل سوريا.
فالتخلي عن وظيفة مستقرة يعني البحث عن فرصة عمل جديدة، في حين يواجه أصحاب المشاريع احتمال خسارة الاستثمارات التي راكموها على مدى سنوات. كما يعتمد أقارب بعض المقيمين في الخارج على التحويلات المالية التي يرسلونها لتغطية احتياجاتهم اليومية أو تكاليف العلاج.
وتقول نوران محمد المقيمة في السويد خلال حديثها لموقع تلفزيون سوريا: "أعمل في وظيفة منذ خمس سنوات، وبالكاد استطعت الاستقرار فيها. لا يمكنني أن أتركها وأعود، فأنا أرسل شهرياً مبلغاً من المال إلى والدتي لتتمكن من تأمين احتياجاتها وعلاجها، ومن المستحيل حالياً أن أعود وأبحث عن عمل جديد".
ما يزال كثير من السوريين المقيمين في الخارج يتابعون أخبار بلادهم، ويحافظون على علاقتهم بأقاربهم ومدنهم، ويتحدثون عن الأماكن التي غادروها وعن إمكانية الرجوع إليها.
لكن الرغبة في العودة تصطدم لدى بعضهم بالخوف من خسارة الاستقرار الذي حققوه، وبالمسؤوليات المرتبطة بأطفالهم وأعمالهم ومصادر دخلهم.
لذلك، يختار بعض السوريين زيارة بلادهم عندما تتاح لهم الفرصة، مع مواصلة الإقامة والعمل في الخارج. أما العودة النهائية، فتظل بالنسبة إليهم مرتبطة بإمكانية الانتقال من دون خسارة ما بنوه، والعثور على فرص تتيح لهم ولعائلاتهم تأسيس حياة مستقرة داخل سوريا.
تلفزيون سوريا
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=127&id=206634