من نفط روسيا إلى اقتصاد الاستثمار... كيف تعيد سوريا رسم خريطة حاجتها من الطاقة؟
05/08/2026
سيرياستيبس
تستعد سوريا لإجراء تحول قد يكون من أكثر التحولات حساسية في سياستها الاقتصادية منذ سقوط نظام الأسد المخلوع، إذ أبلغت الحكومة السورية الولايات المتحدة استعدادها لخفض واردات النفط الروسي، في وقت تؤمن فيه موسكو نحو 60 ألف برميل يومياً، وتشكل المورد الخارجي الأكبر للنفط الخام الذي تحتاج إليه المصافي السورية.
التعهد السوري جاء خلال محادثات مع واشنطن بشأن إزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ورغم نفي مسؤولين أميركيين لوكالة "رويترز" أن يكون خفض النفط الروسي شرطاً رسمياً لشطب التصنيف، أكدوا تلقي التزام سوري بهذا الاتجاه، في حين قالت مصادر سورية إن الابتعاد عن الخام الروسي من شأنه تسريع القرار الأميركي.
ويضع هذا التعهد سوريا أمام معادلة صعبة، فإزالة تصنيف الإرهاب يفتح أبواب المصارف وشركات التأمين والتجارة والاستثمار الدولي، بينما يترك التخلي السريع عن النفط الروسي فجوة لا تقل عن 60 ألف برميل يومياً، في وقت لا يزال الإنتاج المحلي بعيداً عن تغطية الاحتياجات، ولا يمتلك احتياطياً استراتيجياً معلناً يمكن الاعتماد عليه خلال انقطاع طويل للإمدادات.
فهل تستبدل سوريا مورداً خارجياً بمورد آخر، أم ستستغل التحول السياسي للانتقال من اقتصاد يقوم على الإمدادات المرتبطة بالعقوبات إلى قطاع طاقة يقوم على الإنتاج والاستثمار وتنويع الشركاء؟
من إيران إلى روسيا
قبل سقوط النظام المخلوع، كانت إيران تعتبر شريان الطاقة الخارجي الأهم، وبعد خسارة معظم الحقول النفطية وتراجع الإنتاج، اعتمد النظام على شحنات إيرانية تراوحت بين مليون وثلاثة ملايين برميل من الوقود شهرياً، أي ما يعادل تقريباً بين 33 ألفاً و100 ألف برميل يومياً، وتوقفت تلك الإمدادات مع سقوط النظام أواخر كانون الأول 2024.
قبل العام 2011، كان المشهد معكوساً تماماً، حيث كانت سوريا تنتج نحو 383 ألف برميل يومياً من النفط والسوائل، وبلغت صافي صادرات الخام، في عام 2010، نحو 109 آلاف برميل يومياً، وبحلول عام 2023، انخفض الإنتاج إلى نحو 40 ألف برميل يومياً.
بعد سقوط النظام وخروج إيران، ملأت روسيا جانباً كبيراً من الفراغ، حيث استقبلت سوريا، خلال عام 2025، نحو 16.8 مليون برميل من النفط الروسي.
ووفق بيانات تتبع السفن والإفصاحات الرسمية، ارتفعت الشحنات الروسية بنحو 75 % خلال العام الحالي، ليصل متوسطها المقدر إلى قرابة 60 ألف برميل يومياً، مقارنة بمتوسط سنوي بلغ نحو 46 ألفاً خلال 2025.
وبحسب "رويترز"، كانت نحو عشرين ناقلة، معظمها أو جميعها مدرج على لوائح العقوبات الغربية، تعمل بصورة منتظمة على نقل النفط الروسي إلى سوريا، باستخدام شبكات شحن عالية المخاطر وعمليات نقل بين السفن أحياناً.
ولم يكن اعتماد سوريا على الشبكات الروسية تعبيراً عن خيار سياسي سوري خالص، بقدر ما كان نتيجة ضعف القدرة على الدفع والوصول إلى المصارف وشركات التأمين والناقلات التقليدية، ما يجعل من النفط ليس مجرد تجارة، بل واحداً من أواخر عناصر النفوذ الروسي العملي في سوريا الجديدة.
لماذا تحتاج سوريا إلى إزالة التصنيف من لوائج الإرهاب؟
رفعت الولايات المتحدة وأوروبا خلال عام 2025 جانباً كبيراً من العقوبات الاقتصادية التي كانت مفروضة على سوريا، لكن بقاء البلاد على قائمة الدول "الراعية للإرهاب" ظل عائقاً مختلفاً وأعمق أثراً من رفع القيود التجارية المباشرة.
فالتصنيف لا يمنع صفقات نفطية بعينها فقط، بل يرفع مستوى المخاطر أمام المصارف وشركات التأمين وإعادة التأمين والناقلات وشركات الوساطة، ويدفع كثيراً منها إلى تجنب السوق السورية حتى عندما تكون المعاملة مسموحاً بها من الناحية القانونية.
وهنا تكمن المفارقة، فعلى الرغم من التوجه السياسي لسوريا الجديدة نحو الولايات المتحدة والغرب، ارتفع الاعتماد النفطي على روسيا الخاضعة للعقوبات، لأن البدائل التجارية الطبيعية بقيت أكثر صعوبة وكلفة، فيما كانت موسكو تملك شبكة ناقلات وتمويل وتوريد قادرة على تجاوز النظام الغربي.
كما قد تعني إزالة التصنيف، على المدى القريب، توسيع عدد الموردين القادرين على بيع الخام والوقود إلى دمشق، وخفض كلفة التأمين والشحن والتمويل.
وعلى المدى الأبعد، يمكن أن تمنح إزالة التصنيف الشركات الغربية والخليجية ثقة أكبر للدخول في عقود استكشاف وإنتاج وتطوير بنية تحتية تحتاج إلى سنوات ورؤوس أموال كبيرة.
وفي مقابل الحاجة إلى إزالة التصنيف والفوائد في ذلك، تواجه سوريا مخاطرة فورية: ماذا يحدث مع تخفيض واردا النفط الروسية قبل تأمين بدائل قابلة للتنفيذ؟
فجوة الـ 60 ألف برميل
لا توجد حتى الآن قاعدة بيانات سورية حديثة وشفافة تحدد بدقة حجم الطلب اليومي على النفط والمشتقات، كما تختلف الأرقام المنشورة باختلاف احتساب الخام أو المنتجات المكررة والحقول المنتجة.
وفي أيار الماضي، قدّرت "رويترز" بأن احتياجات سوريا النفطية قد تصل إلى نحو 150 ألف برميل يومياً، في حين لم يكن المتاح فعلياً للحكومة من الإنتاج المحلي يتجاوز نحو 35 ألف برميل يومياً في ذلك الوقت، فيما تورّد روسيا يومياً نحو 60 ألف برميل.
ومطلع العام 2026، أفاد رئيس الشركة السورية للبترول، يوسف قبلاوي، بأن إجمالي إنتاج الحقول السورية كان أقل من 100 ألف برميل يومياً، مقارنة بنحو 400 ألف برميل قبل الحرب.
وبالاستناد إلى تقدير حاجة تبلغ 150 ألف برميل يومياً، فإن توقف 60 ألف برميل روسي بصورة مفاجئة سيخلق عجزاً فورياً يعادل نحو مليوني برميل شهرياً، وحتى في حال بلوغ الإنتاج المحلي الكلي 100 ألف برميل يومياً، فإن البلاد ستظل بحاجة إلى كميات إضافية لتشغيل المصافي وتغطية الطلب على البنزين والديزل والفيول، مع الأخذ بالاعتبار أن جزءاً من الخام المنتج قد لا يكون متاحاً فوراً أو ملائماً وحده لتشكيلة المصافي.
ولا تنشر الحكومة السورية بيانات حديثة عن حجم المخزون التجاري أو الاحتياطي المتاح داخل خزانات بانياس وحمص، ولذلك لا يمكن تحديد عدد الأيام التي تستطيع البلاد خلالها تعويض توقف الواردات.
ويجعل غياب البيانات أي انتقال سريع في واردات النفط عن روسيا أكثر خطورة، ويعني أن خفض الواردات سيحتاج على الأرجح إلى تنفيذ تدريجي ومتزامن مع عقود بديلة.
هل يكفي نفط شرق سوريا؟
تمتلك مناطق شمال شرقي سوريا أكبر الحقول في البلاد، وفي مقدمتها العمر والتنك ورميلان، ولذلك يمثل استعادة هذه الحقول ورفع إنتاجها الخيار المحلي الأكثر وضوحاً لتقليل الحاجة إلى الاستيراد.
وفي تصريحات سابقة، قال رئيس الشركة السورية للبترول إن إنتاج حقل العمر، الذي كان يبلغ نحو 50 ألف برميل يومياً قبل الحرب، تراجع إلى قرابة خمسة آلاف برميل يومياً، وإن خطة التأهيل تستهدف إعادته إلى مستوى يتراوح بين 40 ألفاً و50 ألف برميل.
وتحتاج خطة التأهيل وزيادة الإنتاج إلى إصلاح الآبار ومحطات الفصل وخطوط النقل وخزانات ومرافق المعالجة، ورغم أن رفع إنتاج حقل العمر وحده إلى مستواه السابق لن يعوض بالضرورة كامل اللنفط الروسي، لكنه قد يغطي جزءاً كبيراً منها خلال مرحلة لاحقة.
وتستهدف الشركة السورية للبترول، وفق الأرقام المعلنة من إدارتها، رفع إنتاج البلاد إلى نحو 250 ألف برميل يومياً بنهاية عام 2027، ثم إلى مليون برميل يومياً بحلول 2030، ما يعني زيادة بأكثر من مرتين ونصف على إنتاج سوريا قبل الحرب.
العراق: أسرع بديل محتمل
يمثل العراق الخيار الأقرب جغرافياً والأكثر قدرة على تعويض جزء من النفط الروسي في المدى القصير، فبعد اضطراب حركة الناقلات عبر مضيق هرمز، بدأ العراق بالفعل نقل النفط والمنتجات عبر الأراضي السورية إلى ميناء بانياس.
وفي حزيران الماضي، ذكرت "رويترز" أن سوريا والعراق كانا يستعدان لبدء نقل الخام براً بمعدل أولي يقارب 50 ألف برميل يومياً بعد تجهيز منشآت التحميل والتفريغ، بينما أصبحت مرافق بانياس قادرة على استقبال متوسط يبلغ نحو 900 صهريج يومياً.
ويقترب هذا الرقم من حجم الواردات الروسية البالغ 60 ألف برميل يومياً، ما يجعل النفط العراقي أقرب حل نظري لسد الفجوة، إلا أن نقل النفط بالصهاريج أكثر كلفة وأقل استقراراً من خطوط الأنابيب، ويتطلب أسطولاً كبيراً وأمناً للطرق ومنافذ تحميل وتفريغ وقدرة تخزين مستمرة.
وفي بحث عن الحلول الأطول أمداً، يبرز مشروع إعادة تأهيل خط حديثة - بانياس المرتبط تاريخياً بخط كركوك - بانياس، حيث أعلن رئيس الشركة السورية للبترول عن مفاوضات لإعادة تأهيل الخط، وسط توقعات باستكمال المشروع خلال ثلاثة أعوام.
وفي تموز الماضي، أقرت الحكومة العراقية اتفاقات أولية لدراسة مسارات تشمل البصرة - حديثة - بانياس، بمشاركة ائتلاف شركات يضم "شيفرون" الأميركية و"UCC" القطرية و"TI Capital".
كما أعلنت واشنطن دعمها لإحياء خط كركوك - بانياس بوصفه مساراً بديلاً عن مضيق هرمز، في وقت كانت فيه الأزمة قد عطلت جزءاً كبيراً من تدفقات النفط الخليجية، لكن تشغيل الخط يحتاج إلى إعادة بناء واسعة، ولذلك لا يمكن اعتباره بديلاً فورياً للخام الروسي.
الخليج العربي: التوريد ممكن، لكن الاستثمار أهم
تمتلك السعودية والإمارات وقطر قدرة مالية ولوجستية كبيرة على الدخول إلى سوق الطاقة السورية، لكن أزمة مضيق هرمز نفسها أظهرت حدود الاعتماد على الشحنات القادمة من الخليج.
فالمشكلة ليست في توفر النفط وحده، بل في طريق وصوله وتكلفة نقله وتأمينه، حيث يمر جانب كبير من صادرات الخليج العربي عبر مضيق هرمز، الذي تعرض خلال الشهور الماضية لقيود شديدة، وخسرت السوق العالمية أكثر من 2.6 مليار برميل من الإمدادات المتوقعة منذ شباط الماضي، وفق تقديرات "أرامكو" السعودية.
ونظرياً، يمكن أن تورد دول الخليج أو شركاتها النفط والوقود إلى سوريا، لكن القيمة الأكبر للتعاون الخليجي تبدو في التمويل والاستثمار والبنية التحتية، حيث تشارك "قطر للطاقة" مع "توتال إنرجيز" و"كونوكو فيليبس" في مذكرة تفاهم لإجراء مراجعة فنية للقطاع البحري رقم 3 قبالة ساحل اللاذقية، بينما تدخل "UCC" القابضة القطرية ضمن ائتلاف دراسة خط النفط العراقي إلى بانياس.
كما تدرس شركات خليجية، بينها "أدنوك للحفر"، فرص التوسع في خدمات الحفر والغاز في سوريا، لكن هذه الاتصالات لا تزال في مراحل الاستكشاف ولم تتحول جميعها إلى عقود إنتاج ملزمة بعد.
الشركات الغربية: عقود للمستقبل لا براميل لليوم
بدأت شركات أميركية وأوروبية بالعودة التدريجية إلى قطاع الطاقة السوري، لكن معظم الاتفاقات المعلنة ترتبط بالغاز والاستكشاف والتطوير، لا بتأمين بديل فوري للنفط الروسي.
وفي حزيران، وقعت الشركة السورية للبترول اتفاقاً أولياً مع "كونوكو فيليبس" و"نوفاتيرا" لتطوير حقول غاز قائمة واستكشاف حقول جديدة، قبل أن يتحول إلى اتفاق أكثر تفصيلاً.
ووفق التقديرات السورية، فإن المشروع يمكن أن يضيف ما بين أربعة وخمسة ملايين متر مكعب من الغاز يومياً خلال عام واحد.
وتسمح زيادة الغاز لسوق النفط في سوريا بتشغيل محطات الكهرباء بالغاز بدلاً من الفيول والديزل، وتخفض بذلك جزءاً من الطلب على المنتجات النفطية. لكنها لا تعوض مباشرة الخام اللازم للمصافي.
وفي أيار الماضي، وقعت "توتال إنرجيز" و"قطر للطاقة" و"كونوكو فيليبس" مذكرة لإجراء مراجعة فنية للقطاع البحري رقم 3 قبالة اللاذقية، لكنها ما تزال مرحلة فنية تسبق قرار الحفر والاستثمار والإنتاج التجاري.
كما حصلت شركة "AXP Energy" على حصة غير تشغيلية تبلغ 25 % في عقد تقاسم الإنتاج بالقطاع التاسع في حوض تدمر، في مشروع استكشافي تبلغ مساحته أكثر من عشرة آلاف كيلومتر مربع، إلا أن أعمال المسح والحفر وتقييم الاحتياطيات تحتاج عادة إلى سنوات قبل أن تتحول إلى إنتاج تجاري منتظم.
ووفق ذلك، لا تستطيع العقود الغربية المعلنة حتى الآن سد فجوة الـ60 ألف برميل اليومية فوراً، لكنها تؤسس لخفض الفجوة تدريجياً من خلال زيادة إنتاج النفط والغاز وتقليل استهلاك الوقود السائل وتحديث الحقول والمنشآت.
لا تكمن مصلحة سوريا طويلة الأمد في تبديل النفط الروسي بنفط من دولة أخرى، لأن ذلك يبقي الاقتصاد معرضاً لمخاطر توقف الإمدادات الخارجية أو اندلاع أزمات في طرق الشحن.
ويتمثل المكسب الأكبر في الانتقال من نموذج تؤمن فيه روسيا حاجة سوريا من الوقود، إلى نموذج تدخل فيه الشركات الغربية والخليجية والعراقية في تطوير الحقول والغاز والمصافي وخطوط النقل والموانئ، فالنفط الروسي يعالج حاجة آنية تبلغ عشرات آلاف البراميل يومياً، أما الاستثمار في حقول العمر ورميلان والقطاع البحري وحقول الغاز وخط كركوك - بانياس فيعيد بناء القدرة الإنتاجية والتصديرية للبلاد.
ومن هذه الزاوية، يصبح خفض واردات النفط الروسي جزءاً من انتقال أوسع من اقتصاد العقوبات إلى اقتصاد الاستثمار، من رفع القيود وإزالة التصنيف الأميركي إلى دخول الشركات الدولية وتنويع الموردين وربط سوريا مجدداً بأسواق الطاقة الإقليمية.
ويتوقف نجاح هذا الانتقال على ترتيب الخطوات، فتخفيض واردات النفط الروسية قبل توقيع عقود توريد بديلة ورفع الإنتاج المحلي قد يعرض البلاد لمخاطرة نقص فوري في الخام والوقود، أما في حال استخدام إزالة التصنيف لتأمين تمويل وشحن وعقود جديدة فيحول المخاطرة إلى فرصة لإعادة بناء قطاع الطاقة.
وفي المحصلة، يمكن قراءة قرار سوريا خفض واردات النفط الروسي مؤشراً واضحاَ على إعادة تموضع اقتصادي وجيوسياسي، من الاعتماد على حلفاء الأسد لتأمين الوقود، إلى محاولة جذب استثمارات خليجية وغربية، وربط العراق بالمتوسط، وتحويل سوريا من سوق تستهلك النفط إلى منتج وممر محتمل للطاقة.
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=136&id=206794