من القاهرة إلى دمشق.. مشاريع سورية تعود إلى الوطن بعد سنوات من النجاح في مصر
10/08/2026







سيرياستيبس 


لم تكن عودة السوريين من مصر إلى بلادهم خلال الأشهر الأخيرة مجرد رحلة عكسية إلى المنازل التي غادروها منذ سنوات، بل حمل كثيرون معهم ما هو أكبر من الحقائب والذكريات.

فبعد أن بنى آلاف السوريين مشاريعهم في المدن المصرية، بدأت بعض تلك المشاريع تشق طريقها مجدداً إلى الداخل السوري، سواء عبر نقلها بالكامل أو افتتاح فروع جديدة، في مشهد يعكس انتقال الخبرات ورؤوس الأموال والأفكار التي تشكلت خلال سنوات اللجوء.

وعلى امتداد سنوات وجودهم في مصر، استطاع السوريون تأسيس حضور اقتصادي واجتماعي لافت في قطاعات المطاعم والحلويات والألبسة والتعليم والأنشطة الفنية والإنشادية. واليوم، ومع عودة عدد متزايد منهم، بدأت هذه التجارب تنتقل إلى سوريا، في محاولة لإعادة بناء حياة جديدة والاستفادة من الخبرات التي اكتسبها أصحابها في المهجر.

المطاعم.. نكهات صنعت شهرتها في مصر وتبحث عن مكانها في سوريا كان قطاع المطاعم من أكثر المجالات التي برع فيها السوريون في مصر، إذ انتشرت المطاعم السورية في مختلف المحافظات المصرية، ونجح كثير منها في بناء قاعدة واسعة من الزبائن المصريين والسوريين على حد سواء.

ومع عودة بعض أصحاب هذه المطاعم إلى سوريا، لم يكتفوا بالعودة كأفراد، بل نقلوا معهم وصفاتهم الجديدة وأساليب الإدارة وطرق التسويق التي تعلموها خلال سنوات عملهم في السوق المصرية.

يقول أحمد، وهو صاحب مطعم كان يعمل في القاهرة قبل أن يبدأ بإجراءات العودة إلى دمشق: "إن قرار نقل مشروعي لم يكن سهلاً، لكنني شعرت أن الوقت أصبح مناسباً لخوض تجربة جديدة داخل بلدي".

ويضيف: "سنوات العمل في مصر منحتني خبرة كبيرة في إدارة المطاعم والتعامل مع الزبائن، وهي ما أعتبره رأس المال الحقيقي الذي أعود به إلى سوريا".

ويرى بعض العاملين في هذا المجال أن انتقال المطاعم لا يقتصر على إعادة افتتاحها داخل سوريا، بل ينعكس أيضاً على ثقافة العمل، إذ يعود أصحابها بأفكار مختلفة تتعلق بخدمة الزبائن وإدارة الجودة والتسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهي أمور اكتسبت أهمية كبيرة خلال السنوات الماضية.

محال الألبسة.. خبرة السوق المصرية تدخل السوق السورية لم يكن قطاع الألبسة بعيداً عن هذه الحركة، فقد عُرف السوريون في مصر بإنشاء محال تعتمد على التصاميم السورية، مع الاستفادة من الأسواق المصرية. وبعد العودة، فضّل عدد من التجار افتتاح متاجر جديدة في دمشق وحلب وحمص، مع الحفاظ على الأسلوب نفسه الذي حقق نجاحاً في مصر.

ويقول شادي محمد، الذي كان يدير متجراً للألبسة النسائية في مدينة السادس من أكتوبر، إنه لم ينوِ إغلاق متجره في مصر، لكنه قرر افتتاح فرع في دمشق بعد أن زارها.

ويشير إلى أن الزبائن في مصر يختلفون في بعض التفاصيل عن الزبائن في سوريا، إلا أن الخبرة التي اكتسبها في التعامل مع الأسواق والمواسم والعروض الترويجية ستساعده على الانطلاق بسرعة.

ويضيف: "المنافسة داخل سوريا تختلف عن مصر، لكنني أرى أن السوق السورية بحاجة إلى أفكار جديدة في عرض المنتجات والتسويق الإلكتروني، وهي أمور أصبحت أعتمد عليها بعد سنوات من العمل في القاهرة".

المدارس والمراكز التعليمية.. تجربة تعليمية تعود مع أصحابها لم تقتصر العودة على المشاريع التجارية، بل شملت أيضاً مبادرات تعليمية أسسها سوريون في مصر لخدمة أبناء الجالية خلال سنوات اللجوء.

فقد عمل عدد من المعلمين وأصحاب المراكز التعليمية على نقل خبراتهم إلى الداخل السوري، سواء عبر افتتاح مراكز خاصة أو إطلاق دورات تعليمية تعتمد على أساليب تدريس حديثة.

ويؤكد سامر، وهو مدرس رياضيات عاد إلى ريف دمشق بعد سنوات من العمل في مركز تعليمي في القاهرة، أن التجربة المصرية غيرت نظرته إلى التعليم.

ويقول: "إن الاعتماد على التكنولوجيا والتواصل المستمر مع الأهالي وتقديم الدعم النفسي للطلاب، كلها ممارسات أحاول تطبيقها اليوم داخل سوريا، إذ إن تطوير أساليب التعليم لا يحتاج دائماً إلى إمكانات كبيرة، بقدر ما يحتاج إلى تغيير في طريقة التفكير".

ويرى تربويون أن انتقال هذه الخبرات قد يسهم في تحسين جودة التعليم الخاص، خاصة في ظل ازدياد الحاجة إلى برامج تعليمية تعالج الفاقد التعليمي الذي خلفته سنوات الحرب.

لماذا تنتقل المشاريع من مصر إلى سوريا؟ تتعدد الأسباب التي دفعت أصحاب المشاريع إلى اتخاذ قرار العودة، إلا أن كثيرين يتفقون على أن الأمر لا يرتبط بالعامل العاطفي وحده.

فبعضهم يرى أن الاستقرار النسبي في مناطق معينة في سوريا، ورغبة العائلات في الاجتماع مجدداً، شكلا دافعاً أساسياً للعودة، في حين وجد آخرون أن استمرار إدارة مشاريعهم من الخارج أصبح أكثر صعوبة مع انتقال أفراد الأسرة إلى الداخل السوري.

كما يعتبر عدد من أصحاب المشاريع أن السوق السورية، رغم ظروفها الاقتصادية، ما تزال تضم فرصاً استثمارية في قطاعات محددة، خصوصاً مع تراجع أعداد المنافسين خلال سنوات الحرب، وازدياد الطلب على الخدمات التي تعتمد على الجودة والخبرة.

ويقول رجل الأعمال السوري فراس محسن، الذي نقل جزءاً من مشروعه إلى سوريا: "إن مشروعي الذي نجح في مصر منحني ثقة أكبر لخوض التجربة داخل سوريا. الفكرة لا تقوم على تحقيق أرباح سريعة، وإنما على بناء مشروع طويل الأمد في بلدي".

تحديات تبدأ بعد الوصول ورغم الحماس الذي يرافق العودة، فإن أصحاب المشاريع يواجهون تحديات لا تقل صعوبة عن تلك التي واجهوها عند تأسيس أعمالهم في مصر قبل سنوات.

فارتفاع تكاليف التشغيل، وعدم استقرار أسعار المواد الأولية، وصعوبة الوصول إلى التمويل، كلها عوامل تؤثر في قدرة المشاريع على الاستمرار والتوسع.

إضافة إلى ذلك، يشير بعض أصحاب الأعمال إلى أن القوة الشرائية للمستهلك السوري ما تزال محدودة، ما يفرض عليهم إعادة النظر في الأسعار وتقليل هامش الأرباح وتقديم خيارات تناسب مختلف الشرائح، وهي معادلة ليست سهلة في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج.
تلفزيون سوريا




المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=110&id=206839

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc