من السيادة النقدية إلى السيادة الرقمية: لماذا تحتاج سوريا إلى مظلة وطنية للأمن السيبراني؟
15/08/2026





سيرياستيبس 

يشكّل إعلان حاكم مصرف سورية المركزي عن قرب إصدار إطار تنظيمي جديد لترخيص المحافظ الإلكترونية وخدمات الدفع الرقمي خطوة مهمة باتجاه إعادة بناء القطاع المالي، وتوسيع الشمول المالي، والانتقال من الاقتصاد النقدي التقليدي إلى اقتصاد أكثر مرونة وارتباطاً بالمنظومة المالية العالمية.

لكن الانتقال إلى الاقتصاد الرقمي لا يتحقق بمجرد ترخيص تطبيقات جديدة أو السماح بإنشاء محافظ إلكترونية وشركات FinTech، بل يحتاج إلى بناء منظومة وطنية متكاملة تحمي المال والبيانات والسيادة الرقمية للدولة.

ففي الاقتصاد التقليدي، كانت حماية النقد مسؤولية المصارف وأجهزة الرقابة المالية. أما في الاقتصاد الرقمي، فإن حماية أموال المواطنين تبدأ من الخادم الذي يستضيف التطبيق، ومن الشيفرة البرمجية، وهوية المستخدم، ومراكز البيانات، وشبكات الاتصالات، وتنتهي عند أنظمة التسوية والمقاصة الوطنية.

وهنا يصبح الأمن السيبراني جزءاً من الأمن الاقتصادي للدولة، وليس مجرد شأن تقني تتولاه كل مؤسسة بصورة منفردة.

الاقتصاد الرقمي بلا أمن سيبراني مخاطرة سيادية

إن أي تطبيق للدفع الإلكتروني قد يتحول، خلال فترة قصيرة، إلى بنية تحتية وطنية تمر عبرها رواتب الموظفين، والتحويلات المالية، ومدفوعات التجار، والخدمات الحكومية، وربما المساعدات والتحويلات الخارجية.

وعندما يصل تطبيق واحد إلى ملايين المستخدمين، فإن توقفه أو اختراقه أو التلاعب ببياناته لا يعود مشكلة تخص شركة خاصة، بل يتحول إلى أزمة ثقة عامة قد تمس الدولة والقطاع المصرفي والعملة الوطنية.

وقد أظهرت المشكلات التي واجهتها بعض تطبيقات الدفع الإلكتروني في سوريا أن التوسع في الاستخدام يجب ألا يسبق بناء الحماية المؤسسية. والمقصود هنا ليس توجيه الاتهام إلى شركة أو تطبيق بعينه، بل الاستفادة من التجربة لتأسيس بيئة أكثر نضجاً، لا تسمح بأن تصبح أموال السوريين وبياناتهم مجالاً للتجربة.

فالخطر لا يقتصر على سرقة رصيد إلكتروني، وإنما يشمل تعطيل الرواتب، وانتحال الهويات، وتسريب البيانات، والتلاعب بسجلات العمليات، وغسل الأموال، وابتزاز المؤسسات، وضرب الثقة بالتحول الرقمي كله.

الذكاء الاصطناعي غيّر طبيعة التهديد

لم تعد الهجمات السيبرانية تعتمد فقط على مخترق يحاول اكتشاف ثغرة تقليدية. فقد أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على إنتاج رسائل احتيالية شديدة الإقناع، وتقليد الأصوات والصور، وإنشاء هويات مزيفة، وتحليل سلوك المستخدمين، وتنفيذ محاولات اختراق واسعة خلال وقت قصير.

وفي المقابل، تستطيع الدولة استخدام الذكاء الاصطناعي لرصد العمليات غير الطبيعية، واكتشاف الاحتيال المالي، وتحليل محاولات الدخول المشبوهة، وربط المؤشرات الأمنية بين المصارف وشركات الاتصالات والمحافظ الإلكترونية.

لذلك، يجب ألا يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره خدمة إضافية داخل تطبيق مالي، بل كعامل يفرض إعادة صياغة كاملة لمعايير الأمن والرقابة وإدارة المخاطر.

العملات الرقمية والبلوك تشين: التنظيم قبل الانتشار

أما العملات الرقمية وتقنيات Blockchain، فهي تفتح آفاقاً مهمة في مجالات التحويلات، والعقود الذكية، وتوثيق الأصول، وسلاسل التوريد، والمدفوعات العابرة للحدود. لكنها في الوقت نفسه تطرح تحديات تتعلق بغسل الأموال، وتمويل الأنشطة غير المشروعة، وحماية المستهلك، وضياع المفاتيح الرقمية، وتقلب القيمة، والسيطرة على حركة الأموال خارج النظام المصرفي.

ومن الخطأ وضع جميع تقنيات البلوك تشين في خانة العملات المشفرة، كما أنه من الخطأ السماح بانتشارها دون إطار سيادي واضح.

المطلوب أن تحدد الدولة موقفها من الأصول الرقمية، ومنصات التداول، والعملات المستقرة، والعقود الذكية، وإمكانية إصدار عملة رقمية رسمية للمصرف المركزي مستقبلاً. كما يجب أن تميّز التشريعات بين الابتكار المالي المشروع، وبين النشاط الذي يمكن أن يهدد الاستقرار النقدي أو يفتح قنوات موازية غير خاضعة للرقابة.

الحاجة إلى جهة وطنية مركزية

لا يمكن ترك الأمن السيبراني موزعاً بين جهات متعددة، بحيث تضع كل وزارة أو مؤسسة أو شركة معاييرها الخاصة. فسلسلة الدفع الإلكتروني واحدة، وأي ضعف في إحدى حلقاتها قد يهدد المنظومة بكاملها.

لذلك تحتاج سوريا إلى جهة وطنية مركزية عليا للأمن السيبراني، تتمتع باستقلالية فنية وصلاحيات تنظيمية واضحة، وتنسق مع مصرف سورية المركزي ووزارات الاتصالات والداخلية والدفاع والاقتصاد والجهات القضائية والرقابية.

ولا يفترض أن تتحول هذه الجهة إلى طبقة بيروقراطية جديدة أو أن تحل محل الجهات القائمة، بل أن تكون المرجعية الوطنية التي تضع المعايير، وتراقب الالتزام، وتدير الاستجابة للحوادث السيبرانية الكبرى.

ويجب أن تتولى هذه الجهة:

* وضع الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني.
* تصنيف المصارف والمحافظ الإلكترونية وشبكات الدفع ومراكز البيانات باعتبارها بنى تحتية رقمية حرجة.
* اعتماد معايير إلزامية للترخيص والتشفير وحماية البيانات وإدارة الصلاحيات.
* إنشاء مركز عمليات أمن سيبراني وطني يعمل على مدار الساعة.
* تأسيس فريق وطني للاستجابة للحوادث والاختراقات.
* إجراء اختبارات اختراق وتدقيق أمني مستقل قبل إطلاق أي تطبيق مالي.
* فرض التبليغ الإلزامي والفوري عن الحوادث والثغرات.
* تنظيم الاستضافة السحابية ومكان تخزين البيانات المالية السورية.
* اعتماد الشركات والخبراء العاملين في اختبار الأنظمة الحساسة.
* إعداد خطط لاستمرارية العمل والتعافي من الكوارث.
* تطوير الكفاءات الوطنية المتخصصة في الدفاع السيبراني والتحقيق الجنائي الرقمي.

لا ترخيص مالياً من دون اعتماد سيبراني

المرحلة المقبلة تتطلب فصلين متكاملين في عملية الترخيص: ترخيص مالي يمنحه مصرف سورية المركزي، واعتماد سيبراني تصدره الجهة الوطنية المختصة.

فلا يكفي أن تمتلك الشركة رأس المال وخطة العمل حتى يسمح لها بإدارة أموال المواطنين. يجب أن تثبت أيضاً سلامة بنيتها البرمجية، وقدرتها على حماية البيانات، وامتلاكها مركزاً احتياطياً، وخطة استجابة للحوادث، وسجلات تدقيق غير قابلة للتلاعب.

كما يجب إخضاع كل تحديث جوهري في التطبيق أو البنية التحتية لاختبارات أمنية جديدة، مع تحميل مجالس إدارات الشركات والإدارات التنفيذية مسؤولية واضحة عن الإهمال في حماية أموال المستخدمين.

وينبغي أيضاً إنشاء بيئة اختبار تنظيمية وطنية Regulatory Sandbox تسمح لشركات التكنولوجيا المالية بتجربة ابتكاراتها ضمن نطاق محدود وتحت إشراف المصرف المركزي والجهة السيبرانية، قبل السماح لها بالوصول إلى السوق الواسعة.

نحو منظومات وطنية للدفاع السيبراني

لا تستطيع سوريا بناء أمنها الرقمي بالاعتماد الكامل على حلول خارجية مغلقة. فالاستفادة من التكنولوجيا العالمية ضرورية، لكن يجب أن تترافق مع تطوير منظومات وطنية للتحقق من الهوية الرقمية، والتوقيع الإلكتروني، والتشفير، ورصد الاحتيال، وإدارة المفاتيح، ومراقبة العمليات المالية.

كما ينبغي توطين المعرفة، وتأسيس مختبرات وطنية لفحص التطبيقات، وتشجيع الجامعات والشركات السورية على تطوير حلول دفاع سيبراني قابلة للاستخدام في المصارف والوزارات والمؤسسات الحيوية.

فالسيادة الرقمية لا تعني الانغلاق عن العالم، بل تعني أن تمتلك الدولة القدرة على معرفة أين توجد بيانات مواطنيها، ومن يستطيع الوصول إليها، وكيف تتم حمايتها، وماذا يحدث عند وقوع هجوم.

الثقة هي رأس مال الاقتصاد الرقمي

إن مبادرة مصرف سورية المركزي إلى تحديث تشريعات المحافظ الإلكترونية والتكنولوجيا المالية تستحق الدعم، لأنها تفتح الباب أمام مرحلة اقتصادية جديدة. لكن نجاحها يرتبط بقدرة الدولة على بناء الثقة قبل توسيع الاستخدام.

لا يمكن مطالبة المواطن بوضع راتبه ومدخراته وهويته داخل تطبيق، ثم اعتبار أمن هذا التطبيق مسؤولية الشركة وحدها. عندما يتحول التطبيق إلى مرفق مالي واسع الاستخدام، تصبح حمايته مسؤولية سيادية مشتركة.

سوريا اليوم أمام فرصة لا لبناء تطبيقات دفع جديدة فقط، بل لتأسيس دولة رقمية آمنة منذ البداية. والمطلوب أن تسير التشريعات المالية، وحماية البيانات، والهوية الرقمية، والأمن السيبراني، وتنظيم الذكاء الاصطناعي والأصول الرقمية ضمن خارطة وطنية واحدة.

فالتحول الرقمي من دون أمن سيبراني قد يضاعف المخاطر، أما التحول الرقمي المحكوم بسيادة قانونية وتقنية واضحة، فيمكن أن يصبح أحد أهم أدوات إعادة بناء الدولة والاقتصاد واستعادة ثقة المواطن والمستثمر.

في العصر الرقمي، حماية الحدود لا تبدأ عند المعابر وحدها؛ بل تبدأ أيضاً عند كل خادم، وكل محفظة إلكترونية، وكل سطر برمجي يحمل أموال السوريين وبياناتهم.

وقد جاء توجه المصرف المركزي ضمن مسار أوسع لتطوير أنظمة الدفع والاندماج في المنظومة المالية العالمية، بما في ذلك السماح بالتعامل مع شبكات الدفع الدولية والإعلان عن استراتيجية للأعوام 2026–2030. مصرف سوريا المركزي 

بقلم الدكتور عمار دلول



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=126&id=206900

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc