من حماة وحمص إلى أوروبا.. ما الذي يمنع تصدير الخضراوات السورية؟
16/08/2026
سيرياستيبس
لم يكن المزارع أبو أحمد يتخيل أن ينتهي موسمٌ كامل من التعب بهذه الطريقة، فبعد أشهر قضاها في رعاية محصول الخيار في خطّاب بريف حماة الغربي، وجد نفسه مضطراً إلى إتلاف جزء من الإنتاج بعدما أصبحت تكلفة نقله إلى سوق الهال أعلى من ثمن بيعه، وبينما كانت التاجر في سوق الهال بحماة يشتري ثمار الخيار من الفلاح بـ 5000 ليرة سورية /نحو خمس سنتات/ كانت متاجر الخضار في مدن أوروبية تعرض منتجات مماثلة بأكثر من يوروهين وبجودة أقل عن مماثله في حماة.
هذا المشهد، الذي وثقته مقاطع فيديو تداولها ناشطون خلال الأيام الماضية من ريفي حماة وحمص، يعكس أزمة موسمية في الأسعار، كما ويسلط الضوء على مفارقة اقتصادية كبيرة يعيشها القطاع الزراعي السوري، ففي الوقت الذي تتكدس فيه بعض المحاصيل داخل الحقول أو تُباع بأقل من تكلفة إنتاجها، يواصل الاتحاد الأوروبي استيراد ملايين الأطنان من الخضراوات والفواكه سنوياً لتلبية احتياجات أسواقه، مستفيداً من شبكات نقل متطورة واتفاقيات تجارية وسلاسل إمداد متكاملة.
وتأتي هذه الأزمة في وقت يواجه فيه القطاع الزراعي السوري تحديات غير مسبوقة نتيجة التغيرات المناخية، فقد حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) من أن سوريا تعرضت خلال الموسم الزراعي 2024-2025 لواحدة من أشد موجات الجفاف منذ نحو ستة عقود، الأمر الذي انعكس مباشرة على إنتاج الحبوب والخضراوات وتوافر المياه، ودفع آلاف المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو التخلي عن بعضها بالكامل.
ورغم كل هذه الظروف، ما يزال القطاع الزراعي يشكل أحد أهم أعمدة الاقتصاد السوري، وقبل اندلاع الثورة كان يسهم بنحو خمس الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر مصدر دخل مباشر أو غير مباشر لما يقارب خمس السكان، كما شكّل لعقود ركيزة أساسية للأمن الغذائي والصادرات الزراعية، ورغم تراجع مساهمته خلال سنوات الثورة بسبب تضرر البنية التحتية الناتجة عن قصف النظام المخلوع لمناطق مأهولة وزراعية وخروج مساحات واسعة من الإنتاج، فإن الزراعة لا تزال تمثل شريان الحياة لمئات آلاف الأسر في الأرياف السورية.
خضراوات لا تجد طريقها للأسواق السورية
في قرية خطاب، يقف المزارع أبو أحمد وسط أرضه وهو ينظر إلى صناديق الخيار التي لم تعد تجد طريقها إلى المستهلك، يقول لموقع تلفزيون سوريا بلهجته المحلية "ما بتوفي معنا، الفلاح اليوم صار يشتغل كأنه أجير ببلاش عند التجار، نحن نبيع بسوق الهال بأسعار ما بتغطي حتى تعب القطاف، وبعدها توصل نفس البضاعة للمستهلك بأضعاف السعر".
ويضيف أن تكاليف الزراعة تضاعفت خلال السنوات الأخيرة، بدءاً من أسعار الأسمدة والبذور وصولاً إلى المحروقات اللازمة لتشغيل مضخات الري ونقل المحاصيل، بينما بقي سعر البيع خاضعاً لفائض العرض وضعف القدرة الشرائية في السوق المحلية.
وفي ريف حمص، لا تبدو الصورة مختلفة كثيراً، بالقرب من تلبيسة، يؤكد المزارع أبو خالد أن كثيراً من الفلاحين بدؤوا يفكرون بترك الزراعة نهائياً بعد الخسائر المتكررة، ويقول: "بدأنا نبحث عن مصلحة ثانية، الزراعة لم تعد ذات جدوى، نعمل طوال الموسم، وفي النهاية لا نستطيع استرداد رأس المال".
وتتزامن أزمة انخفاض الأسعار الحالية بارتفاع غير مسبوق في تكاليف الإنتاج، فالمزارع السوري بات يتحمل أسعاراً مرتفعة للوقود اللازم لتشغيل مضخات الري والجرارات الزراعية، إضافة إلى الزيادة الكبيرة في أسعار الأسمدة والمبيدات والبذور ومواد التعبئة وأجور اليد العاملة، ويؤكد عدد من المزارعين أن بيع بعض المحاصيل بأسعار السوق الحالية لا يغطي حتى أجور نقلها إلى أسواق الجملة.
لكن المفارقة تزداد وضوحاً عند النظر إلى ما يجري خارج الحدود السورية، ففي أوروبا، يواصل الطلب على الخضراوات الطازجة النمو، سواء نتيجة الإنتاج المحلي الموسمي أو الاعتماد على الاستيراد خلال أجزاء كبيرة من العام، وتشير بيانات المفوضية الأوروبية إلى أن الاتحاد الأوروبي يستورد كميات ضخمة من الخضراوات والفواكه من دول متوسطية مثل المغرب وتركيا ومصر والأردن، بينما لا تزال حصة سوريا محدودة للغاية رغم امتلاكها ميزات مناخية وزراعية تجعلها قادرة، من حيث المبدأ، على المنافسة في عدد من المحاصيل.
التصدير.. هل ينقذ الزراعة السورية؟
في أحد متاجر الخضراوات العربية في العاصمة الألمانية برلين، يرى التاجر عبد الكريم أيوب أن المنتج السوري ما زال يحتفظ بسمعة جيدة لدى المستهلكين. ويقول إن كثيراً من الزبائن، ولا سيما السوريين والعرب، يسألون باستمرار عن البندورة والخيار والفليفلة القادمة من سوريا بسبب مذاقها الذي يختلف عن المنتجات الأخرى.
ويضيف لموقع تلفزيون سوريا: "نستورد اليوم خضراوات من المغرب، وخلال الشتاء تصلنا كميات من الأردن، لكن إذا عادت خطوط الاستيراد من سوريا بشكل منتظم، فسيكون هناك طلب جيد عليها، المشكلة ليست في السوق، بل في القدرة على إيصال المنتج السوري وفق المواصفات المطلوبة وبشكل مستمر".
وتفتح هذه الشهادة الباب أمام سؤال يتجاوز حدود الأزمة المحلية: إذا كانت الأسواق الأوروبية تستورد بالفعل كميات كبيرة من الخضراوات، وإذا كان المنتج السوري يحظى بقبول لدى شريحة واسعة من المستهلكين، فلماذا يضطر المزارع في حمص أو حماة إلى إتلاف محصوله بدلاً من أن يجد طريقه إلى تلك الأسواق؟
هذا السؤال يقود إلى ملف أكثر تعقيداً يتعلق بالبنية التحتية للتصدير، وشبكات النقل والتبريد، والاشتراطات الصحية الأوروبية، والسياسات الزراعية، والدعم الذي يحتاجه المزارع السوري ليستعيد مكانته في الأسواق الخارجية، وهو ما حاولنا أن نجد له جوابا بالحديث إلى أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق، الدكتور زياد عربش، والذي رأى أن ما يحدث اليوم ليس أزمة إنتاج بقدر ما هو أزمة تسويق وسلسلة قيمة مفقودة.
وأوضح عربش في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن المزارع السوري لا يعاني من ضعف القدرة على الإنتاج، وإنما من غياب منظومة متكاملة تبدأ من الحقل ولا تنتهي إلا بوصول المنتج إلى المستهلك النهائي".
ويقول عربش إن ارتفاع تكاليف الإنتاج خلال السنوات الأخيرة أضعف قدرة المزارع على الاستمرار، بعدما تضاعفت أسعار المحروقات اللازمة لتشغيل مضخات الري والجرارات الزراعية، وارتفعت أسعار الأسمدة والبذور والمبيدات، في وقت بقيت فيه أسعار البيع في كثير من المواسم أقل من التكلفة الحقيقية للإنتاج.
ويضيف عربش أن هذه المعادلة تدفع المزارع إلى بيع محصوله بخسارة أو التخلص منه إذا أصبحت كلفة نقله وتسويقه أعلى من قيمته في سوق الهال، ورغم ذلك، يؤكد عربش أن سوريا ما زالت تمتلك مقومات تجعلها قادرة على استعادة جزء من مكانتها الزراعية، إذا جرى الاستثمار في سلاسل القيمة الزراعية، بدءاً من الإنتاج الحديث، مروراً بالفرز والتوضيب والتبريد، وانتهاءً بالتصدير.
وتشير بيانات المفوضية الأوروبية إلى أن الاتحاد الأوروبي يعد أحد أكبر مستوردي المنتجات الزراعية في العالم، إذ يستورد سنوياً عشرات ملايين الأطنان من الخضراوات والفواكه من دول متوسطية عديدة، كما تظهر بيانات التجارة الأوروبية أن قيمة واردات الاتحاد الأوروبي من المنتجات الزراعية السورية بدأت بالتحسن تدريجياً خلال العام الماضي لكن بنسب متواضعة مقارنة بالإمكانات الزراعية التي تمتلكها البلاد، إلا أنها تعكس وجود سوق يمكن البناء عليها إذا أزيلت المعوقات اللوجستية والفنية.
ويشير عربش إلى أن المشكلة لم تعد مرتبطة بالعقوبات وحدها كما كان الحال في السنوات الماضية، بل أصبحت تتعلق أيضاً بقدرة المنتج السوري على استيفاء المعايير الأوروبية الخاصة بسلامة الغذاء، ومتبقيات المبيدات، وأنظمة التتبع، إضافة إلى وجود شركات تصدير محترفة تستطيع إبرام عقود طويلة الأجل مع المستوردين الأوروبيين.
ولا تقل البنية التحتية أهمية عن هذه المعايير، وفقا لعربش، فالخضراوات الطازجة تحتاج إلى سلسلة تبريد متواصلة منذ لحظة قطفها وحتى وصولها إلى رفوف المتاجر، وفي المقابل، لا تزال معظم مناطق الإنتاج الزراعي في سوريا تفتقر إلى مراكز حديثة للفرز والتوضيب والتخزين المبرد، ما يؤدي إلى ارتفاع الفاقد وانخفاض جودة المنتج قبل وصوله إلى الأسواق الخارجية.
نافذة تطل على أوروبا.. فرصة تنتظر المنتج السوري
يرى التاجر بشر علواني، الذي ينشط في مجال تصدير الخضراوات من حماة، أن إعادة تنشيط مرفأي اللاذقية وطرطوس أمام حركة الحاويات المبردة يمكن أن يفتح نافذة مهمة أمام الصادرات الزراعية، ولا سيما نحو موانئ مثل هامبورغ الألماني وروتردام الهولندي، اللذين يشكلان من أكبر بوابات دخول المنتجات الغذائية إلى أوروبا، كما يمكن للنقل البري عبر الأراضي التركية أن يوفر خياراً سريعاً، إذ تستطيع البرادات المبردة الوصول إلى عدد من الأسواق الأوروبية خلال نحو 48 ساعة، وهي مدة مناسبة للحفاظ على جودة كثير من أصناف الخضراوات.
وفي برلين، يؤكد تاجر الخضار عبد الحميد الشمالي أن الأسواق الأوروبية لا تبحث فقط عن السعر، وإنما الجودة والاستمرارية أيضاً، ويقول إن المستهلك السوري والعربي يفضل المنتجات السورية عندما تكون متوفرة، لما تتميز به من نكهة وجودة، إلا أن غياب الإمدادات المنتظمة يجعل التجار يعتمدون على موردين آخرين من المغرب وتركيا والأردن وإسبانيا.
ويضيف لموقع تلفزيون سوريا "إذا وصلت الخضراوات السورية ضمن عبوات حديثة، وبالمواصفات الأوروبية، وبشكل منتظم، وبكميات قليلة لكل عبوة لتتماشى مع السلوك الاستهلاكي للمواطن الأوروبي، الذي يشتري حبة واحدة من كل نوع خضراوات أو فواكه على سبيل المثال، فأعتقد أنها ستكون قادرة على المنافسة، ليس فقط بين أبناء الجالية السورية، وإنما لدى شريحة أوسع من المستهلكين".
من جهته يرى الصحفي الاقتصادي محمد الشيخ علي أن الأثر المتوقع لتنشيط التصدير يمتد من زيادة دخل المزارعين إلى الاقتصاد الوطني بأكمله، فتنشيط صادرات الخضراوات يعني خلق فرص عمل في عمليات الفرز والتوضيب والتغليف والنقل والشحن والخدمات اللوجستية، كما يسهم في زيادة تدفق القطع الأجنبي، وتحسين الميزان التجاري، وتحفيز الاستثمار في الصناعات الغذائية المرتبطة بالإنتاج الزراعي.
ويؤكد الشيخ علي أن استعادة مكانة الزراعة السورية لا تتطلب حلولاً معقدة بقدر ما تحتاج إلى رؤية متكاملة، تبدأ بتخفيض تكاليف الإنتاج، وتأمين الطاقة اللازمة للري، وإنشاء مراكز حديثة للتوضيب والتبريد، وتطوير مختبرات تمنح شهادات الجودة المطلوبة، وتشجيع شركات التصدير على الدخول في عقود مباشرة مع الأسواق الخارجية، بالتوازي مع جهود دبلوماسية واقتصادية لفتح مزيد من الأسواق أمام المنتجات السورية.
ويلفت الشيخ علي إلى فكرة مفادها أنه في الوقت الذي يلقي فيه بعض المزارعين محاصيلهم على أطراف الحقول لعدم جدوى بيعها، تقف أوروبا على بعد ساعات قليلة بمقياس عمليات الشحن اللوجستية من تلك الحقول، تستورد سنوياً كميات هائلة من الخضراوات من دول الجوار، وبين المشهدين تضيع فرصة اقتصادية كان يمكن أن تتحول إلى مصدر دخل للمزارع، ومورد مهم للاقتصاد الوطني.
ويختم الشيح علي كلامه بالتأكيد على أن إنقاذ الزراعة السورية لا يقتصر على دعم موسم أو محصول وإنما يتطلب إعادة بناء منظومة تصديرية متكاملة، تجعل الطريق من الحقل إلى الميناء أكثر سهولة من الطريق الذي ينتهي فيه المحصول في مكب للنفايات، فحين يتمكن المزارع السوري من بيع إنتاجه في الأسواق التي تقدر جودته وتدفع قيمته الحقيقية، يكون قد أنقذ موسمه واستعاد ثقته بأن الأرض ما زالت قادرة على منحه الحياة.
تلفزيون سوريا
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=128&id=206913