الواقع الخطير لإعادة التدوير ودروس من تجارب دولية ناجحة
طاريات تُنقذ الحاضر ورصاص يهدّد المستقبل , سوريا بين قنبلة بيئية وفرصة اقتصاديةب




  في سوريا اليوم، لا تُقاس الأزمات فقط بما يُرى من دمار، بل بما يتسلل بصمت إلى الهواء والماء والتربة ومن بين أخطر هذه الأزمات الصامتة، تقف بطاريات الرصاص والليثيوم كملف مهمل، لكنه في الحقيقة أحد أكثر الملفات إلحاحًا على طاولة الحكومه في مرحلة إعادة الإعمار  هو ليس تفصيلاً تقنيًا، ولا شأنًا بيئيًا ثانويًا , إنه اختبار مباشر لجدية الحكومه في حماية السوريين , وامتحان أخلاقي لكل مسؤول يملك قرارًا ويؤجل استخدام




 

سيرياستيبس 
كتب المهندس ياسر علي أسعد

في ورش صغيرة منتشرة على أطراف المدن السورية، يعمل رجال وأطفال يومياً على تفكيك بطاريات السيارات المستهلكة بأيديهم العارية, يصبّون حمض الكبريت على الأرض ويصهرون الرصاص فوق نيران مكشوفة, غير مدركين أنهم يتعاملون مع أشد المواد السامة خطورةً على صحة الإنسان .

 هذا المشهد، الذي يتكرر يومياً في غياب أي رقابة أو قانون يمنعهم او سلطه تردعهم ، يكشف عن كارثه بيئية وصحية صامتة تتراكم تداعياتها في تربة ومياه وهواء سوريا .
في سوريا اليوم، لا تُقاس الأزمات فقط بما يُرى من دمار، بل بما يتسلل بصمت إلى الهواء والماء والتربة ومن بين أخطر هذه الأزمات الصامتة، تقف بطاريات الرصاص والليثيوم كملف مهمل، لكنه في الحقيقة أحد أكثر الملفات إلحاحًا على طاولة الحكومه في مرحلة إعادة الإعمار  هو ليس تفصيلاً تقنيًا، ولا شأنًا بيئيًا ثانويًا , إنه اختبار مباشر لجدية الحكومه في حماية السوريين , وامتحان أخلاقي لكل مسؤول يملك قرارًا ويؤجل استخدامه , ملف يكفي أنه يُترك دون رقابة  ويُدار بالإهمال ويُبرَّر بالصمت  , البطاريات التي أنقذت ملايين السوريين من العتمة، تتحول إلى قنبلة بيئية وصحية واقتصادية تهدد الأجيال القادمة .
يبلغ عدد السيارات في سوريا حوالي 2.5 مليون سياره الى جانب الالاف من المعدات الثقيله التابعه لشركات الانشاءات والنفط وبطاريات اجهزه عدم اقطاع التيار الكهربائي وأجهزه الطاقه الشمسيه تنتج تقريبا 75000 طن من الرصاص بالاضافه ل25000 طن من حمض الكبريت الممزوج بالرصاص يرمى ضمن البيئه السوريه  , لكن السؤال الحقيقي ليس في العدد  بل أين تذهب هذه البطاريات؟ كيف تُجمع؟ ومن يراقب؟ الإجابة لاأحد يدري , والسؤال الأهم كيف يصدر هذا الرصاص وتحت اي بند حمركي وكيف يمر عبر الحدود .
بطاريات خارج نطاق القانون .. والصحة 

لا يوجد في سوريا اليوم أي معمل رسمي مرخص لإعادة تدوير بطاريات السيارات. ما يجري فعلياً هو أن البطاريات المستهلكة تنتهي بيد تجار الخردة والورش غير المرخصه التي تعمل خارج نطاق القانون وبعيداً عن أي رقابة بيئية أو صحية وللأسف تحت نظر البلديات ,مايجري في هذه الورش بالغ الخطورة , تُكسر علبة البطارية وتُصبّ المادة الحمضية على الأرض مباشرةً، ثم تُصهر ألواح الرصاص في أفران مفتوحة , ينصهر الرصاص بدرجه حراره 450 ويغلي بدرجه 650 بينما يحتاج الى للوصول الى 1000 درجه مئويه لتحويل كبريتات الرصاص الى رصاص بنقاء 98% . هذه العملية تطلق كميات هائلة من أبخره الرصاص والكبريت  السامة في الهواء المحيط ، وتلوّث التربة والمياه الجوفية المجاورة بمواد تبقى فيها لعقود وتدخل السلسله الغذائيه للسوريين عبر الخضار المزروعه في تربة ملوثة , ولحوم الحيوانات التي تناولت نباتات نمت في بيئه ملوثه  والمياه الجوفية والهواء الذي نتنفسه. 
 فالرصاص لا يُطرح من الجسم ، بل يتراكم، ويؤدي إلى تلف الجهاز العصبي وانخفاض القدرات الإدراكية لدى الأطفال وأمراض مزمنة لدى البالغين, إنها ليست مشكلة بيئية , بل كارثه صحية مكتملة الأركان . ليست هذه مبالغة الرصاص الذي يتطاير من عمليات الصهر العشوائي لا يختفي، بل يدخل أجساد السوريين, نحن نسمّم أنفسنا بأيدينا.
ايضا بطاريات الليثيوم القنبلة  التي دخلت منازل السوريين بلا معايير جودة  بلا رقابة بلا إرشادات أمان والنتيجة بدأت حرائق وانفجارات وخسائر ماديه وبشرية لكن الأخطرقادم , بعد سنوات ستتحول هذه البطاريات إلى نفايات خطرة بلا نظام لجمعها ولا معامل لمعالجتها , نحن نزرع اليوم كارثة الغد بأيدينا .

التدوير غير الشرعي .. الثمن الغالي 
 
نشأت في سوريا سوق موازية خطيرة مرتبطه بشبكات فساد ,ورش غير مرخصة تقوم بصهر الرصاص داخل الأحياء السكنية وشبكات تهريب تنقله عبر الحدود في غياب شبه كامل للسجلات المفارقة المؤلمة أن هذا النشاط مربح اقتصادياً لمن يمارسه، إذ يُعدّ الرصاص معدناً ذا قيمة سوقية عالية, وهذا ما يجعل القضاء على هذه الظاهرة بمجرد الحظر أمراً مستحيلاً دون إيجاد بديل رسمي يمتص هذا القطاع ويُنظّمه .
 مشكلة التدوير غير الشرعي ليست حكراً على سوريا, فقد مرّت دول عديدة بهذه المرحلة، وبعضها نجح في تجاوزها، الباقي دفع وما يزال ثمنها غالياً .
تُعدّ الولايات المتحدة الأمريكية نموذجاً عالمياً استثنائياً في هذا المجال، إذ تُعاد معالجة 99% بطاريات السيارات وبطاريات الليثيوم. السر في قانون بسيط لكنه صارم , كل محل يبيع بطاريات جديدة ملزم قانونياً باستلام البطاريات القديمة وتسليمها لمنشأت إعاده التدوير، وكل مصنع لإنتاج البطاريات ملزم باستخدام الرصاص المُعاد تدويره. النتيجة دورة مغلقة تماماً لا تسمح للرصاص بالتسرب إلى البيئة والنظام الضريبي يبقي كل المعلومات متاحه لكل الجهات الرسميه  .
قي العالم العربي برزت سلطنة عُمان كرائدة في العام 2013 حين أسّست الشركة العربيه للرصاص بالمشاركه مع الشركه العمانيه القابضه لخدمات البيئه  أول منشأة إقليمية متخصصة بطاقة 30 طناً يومياً، وفق أعلى المعايير الدولية . وفي عام 2020، أضافت قطر بصمتها بافتتاح مصنع متطور لمجموعة جي ام جي القابضة مع قانون صارم ملزم يمنع تداول البطاريات المستعمله وبلزم مراكز البيع بتقديم وثائق للجهات الحكوميه تثبت تسليم البطاريات التالفه لمصن اعادخ التدوير .  
هذان النموذجان يُثبتان أن الإرادة السياسية والاستثمار الخاص كافيان لبناء قطاع رسمي فاعل في غضون سنوات .
الدرس الأقسى يأتي من بنغلاديش، نعاني من أسوأ أزمات التسمم بالرصاص في العالم. ثلثا أطفال البلاد ( أي نحو 36 مليون طفل ) يحملون في دمائهم مستويات خطرة من الرصاص، مما يؤثر على ذكائهم وتحصيلهم الدراسي وصحتهم طوال حياتهم . 30% فقط من البطاريات تُعاد معالجتها بشكل رسمي، والباقي يذهب إلى ورش غير مرخصه, والحكومة تخسر  ملايين الدولارات سنوياً من الإيرادات الضريبية .

استناداً إلى التجارب الدولية، يمكن لسوريا أن تبني خارطة طريق واقعية عبر ثلاث مراحل متتالية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن القضاء الفوري على القطاع غير الرسمي غير ممكن دون إيجاد بديل يستوعب العاملين فيه ويُنظّم نشاطهم
المرحلة الأولى: التوثيق والتشخيص
الخطوة الأساسية هي معرفة الواقع كما هو , حصر مواقع التدوير غير القانونيه، فحص التربة والمياه الجوفية في المناطق المتضررة، وقياس مستويات الرصاص في دماء الأطفال القاطنين بالقرب منها. هذا التشخيص يمكن إنجازه بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة وبرنامج الامم المتحده الإتمائي ومنظمه الصحه العالميه . التي تمتلك خبرة واسعة و نفّذت مشاريع مماثلة في بنغلاديش والسنغال ودول أخرى مع الأخذ بعين الإعنبار أن سوربا وقعت على اتفاقيه بازل الملزمه التي تهدف لحمايه الصحه والبيئه من المخلفات الخطره. وهذا يحتاج إرادة وتشريعات واضحة تُطبق ورقابة وإغلاق الورش المخالفة وتنظيم السوق  والمحاسبة  وإطلاق حملات توعية عامة حول الاستخدام والتخلص الآمن .
المرحلة الثانية: التشريع والحوافز
لا تحتاج البداية إلى قانون معقد. يكفي تشريع يُلزم محلات بيع البطاريات باستلام القديمة عند شراء الجديدة مقابل خصم مالي،وتقديم وثائق للحكومه بالكميات المباعه واسماء الزبائن  مرتبطه بالضرائب  مع فرض رسوم بيئية صغيرة على بيع كل بطارية جديدة تتراكم في صندوق يموّل المرحلة التالية وضبط استيراد البطاريات وفرض معايير جودة إلزامية , ومنع تصدير الرصاص دون الحصول على شهاده منشأ من وزاره التجاره والصناعه ,هذا النموذج جرّبته دول عديدة وأثبت نجاعته.
المرحلة الثالثة: البنية التحتية الرسمية
المرحلة الأكثر تكلفةً لكن الأعلى عائداً , إنشاء معمل رسمي أو اكثر ، إما عبر الاستثمار الخاص المحلي أو بشراكة مع مستثمرين إقليميين أو بتمويل من المانحين الدوليين المهتمين بقضايا البيئة والصحة أي أن سوريا في حال تنظيم هذا القطاع، تستطيع تقليل استيراد المواد الخام وإنشاء صناعة وطنية متكاملة تخلق آلاف فرص العمل.
 
يوجد في  سوريا مصنع متكامل متوفف عن العمل مملوك للصندوق السيادي ( شركة الريادة لصناعة البطاريات ) في عدرا الصناعية بريف دمشق يركز على إعادة تدوير الرصاص من بطاريات السيارات المستنفذة ، وصناعة بطاريات جديدة وكان يعمل تحت اشراف مجموعه مرتبطه بالكسب غير المشروع ويمكن الاستفاده منه بطرحه للاستثمار اذا تم اعتماد خطه وطنيه لمعالجه مخاطر التلوث البيئي . 
التجربة القطريه والعُمانية تُثبت أن هذا ممكن إذا سنت التشريعات المطلوبه ، وأن المعمل الواحد المتكامل يُمكنه أن يستوعب احتياجات بلد بأكمله
 
  فرصة لا تستثمر تساوي مشكلة تتراكم دون علاج
 
في عالم يعيد تشكيل اقتصاده على أساس الاقتصاد الدائري  ، تقف سوريا أمام فرصة واضحة , صناعة إعادة تدوير قادرة على توليد دخل كبير وتقليل الاعتماد على الاستيراد وخلق وظائف في قطاع صناعي حيوي لكن هذه الفرصة تُهدر يوميًا، لأن الحكومه لم تقرر بعد أن هذا الملف أولوية . إن الصمت الرسمي حيال ملف بطاريات الرصاص والليثيوم في سوريا لا يعني غياب المشكلة، بل يعني تراكمها دون علاج. والتأخر في معالجتها لا يُسقط تكلفتها، بل يُضاعفها , تلوث متزايد في التربة والمياه، أمراض مزمنة تنتشر في صمت، وأطفال بعانون بسبب غياب القانون وإهمال السلطات المحليه  .
الحكومه التي لا تحمي صحة السوريين من التسمم البطيء ولا تحمي بيئتهم من التدمير، ولا تحمي اقتصادهم من الهدر تفقد أحد أهم أسباب وجودها , ملف البطاريات ليس تفصيلاً إنه مرآة لجدية الحكومه فإما أن نرى قرارًا شجاعًا يضع حدًا لهذه الفوضى،أو نستعد لنتائج كارثية… لن ينفع بعدها أي تبرير .


مواد للكاتب في سيرياستيبس :

https://syriasteps.com/index.php?d=131&id=202847

https://syriasteps.com/index.php?d=131&id=201919

https://syriasteps.com/index.php?d=131&id=201826

https://syriasteps.com/index.php?d=131&id=202420



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=131&id=205509

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc